انتقل إلى المحتوى

محمد الطاهر بن عاشور

من موسوعة الفقه المعاصر
مراجعة ١٠:٤٢، ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ بواسطة Armodir (نقاش | مساهمات)

مؤلف: علي شفيعي



ابن عاشور
الاسممحمد الطاهر بن عاشور
العمر1879م/ 1296هـ - 1973م/ 1393هـ
المذهبمالكي
الجنسيةتونس
التخصصالفقه والأصول والتفسير
  • الملخص

محمد الطاهر بن عاشور (1296-1393هـ) مفسِّر وفقيه تونسي ومنظِّر في مقاصد الشريعة، اشتهر في العالم الإسلامي بكتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» وتفسيره «التحرير والتنوير». وابن عاشور أشعري المسلك مالكي المذهب، ويُعدّ من العلماء الإصلاحيين الذين استطاعوا أن يكونوا مؤسسين لتحولات وتجديدات كثيرة في الميادين العلمية والاجتماعية في تونس.

كان ابن عاشور يرى الإسلام ديناً أهلاً للتساهل والتسامح، ولذلك عدّه ذا طاقات للحضور في ميدان المجتمع والسياسة، ومن هذا المنظور كان ينظر إلى القضايا الوحيانية. وكان ينتقد العلمانيين المسلمين الذين رأوا الإسلام حداً أدنى، ولم يكن يرى الإسلام بعيداً عن ميدان الحكم.

واعتماداً على منهجه الإصلاحي، كان ابن عاشور يرى الفقه كفؤاً وعصرياً، وكان يتابع هذا الهمّ من خلال الالتفات إلى مقاصد الشارع والاعتقاد بطاقة التساهل والتسامح وقابلية الأحكام الاجتماعية للتعليل. وعلى هذا الأساس أعاد قراءة أحكام متعددة، مثل الأضحية في الحج، وضرب النساء، وبنية الحكومة، والمشقة في الصيام، وأبدى فيها رأياً جديداً.

وقد طرح ابن عاشور مقاصد الشريعة لتجديد أصول الفقه، بل ربما بوصفها طاقة بديلة عنه، ويحاول بنظرية المقاصد أن يعبر من النظرة التجزيئية (الجزئية) في فهم الأحكام ورؤيتها فردية إلى النظرة الاجتماعية والكلية. ومع ذلك فإنّ تجديدات ابن عاشور في المقصدية والتفسير ونظرته الاجتماعية إلى التعاليم الدينية لم تغب عن نظر الناقدين، وقد حاول بعض أصحاب النظر تحليل النتائج الإيجابية والسلبية لآثاره الفكرية.

التعريف بشخصية ابن عاشور

وُلد محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973م)، شيخ الإسلام للمذهب المالكي في تونس وشيخ جامع الزيتونة، في «المرسى» من نواحي شمال تونس. حفظ القرآن وتعرّف إلى اللغة الفرنسية أيضاً. ويُعدّ باحثاً أديباً ومفسراً وأصولياً ومنظّراً في مجال مقاصد الشريعة والنظام الاجتماعي - السياسي للدين.[١] وكانت له إجازة اجتهاد من أربعة من أساتذته. وبتأثره بالثورة الفكرية لأمثال جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده صار من أبرز صانعي التحول في مجتمعه المحيط به. وتوفي أخيراً يوم السبت 13 رجب 1394هـ.

آثار ابن عاشور

لابن عاشور مؤلفات كثيرة؛ وهذه المؤلفات وإن كانت لا تنحصر في مجال خاص فإنّ القاسم المشترك بينها هو كونها جديدة. وله نحو 38 أثراً منشوراً وآثار كثيرة غير منشورة.[٢] ومن آثاره التي تدل على أفكاره في المشكلات المعاصرة للمسلمين:

  1. تفسير التحرير والتنوير: هذه الموسوعة العلمية - القرآنية من أبقى آثاره ومن التفاسير المهمة في العصر المعاصر، وقد نُظّمت على غرار تفاسير القرآن بالقرآن.[٣] وفضلاً عن ذلك فهي تقوم، بوصفها ضلعاً من الأضلاع المنهجية، على الالتفات إلى الأحاديث والشعر واللغة والإعراب والبلاغة وغيرها مما عبّر عنه بعضهم بـ«الدراية».[٤] وقد دُوّن تفسير التحرير على النسق والنهج الإصلاحي؛ ولذلك لم يكن غافلاً عن أسئلة عصره وتحدياته.
  2. مقاصد الشريعة الإسلامية: يطرح فيه، مع تبيين مكانة علم مقاصد الشريعة في الفقه، اقتراح جعل هذا العلم بديلاً عن علم أصول الفقه.
  3. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: تناول ابن عاشور في هذا الأثر عوامل تقدم المجتمع الإسلامي الأول وعوامل ركوده، وعدّ من خصائص النظام الاجتماعي، مع التأكيد على انسجام مبانيه مع الفطرة البشرية، الاعتدالَ وسعة الأفق والحقّانية والاعتبارية.
  4. نقدٌ علميٌّ لكتاب الإسلام وأصول الحكم: انتقد ابن عاشور في هذا الكتاب، مؤكداً على عدم انفصال الدين عن السياسة، الفكرَ المبني على هذا الانفصال الذي طرحه أمثال علي عبد الرازق.

ابن عاشور وتهيئة الطاقات لحضور الفقه في العالم الجديد

يتميز الفقه المالكي بخصائص جعلت التجديد فيه أسهل مقارنةً بالمذاهب الأخرى. ومن هذه الخصائص: (أ) المرونة في الأصول، (ب) الالتفات إلى مقاصد الشريعة، (ج) النظر المصلحي الفقهي في ميدان الأحكام الاجتماعية، (د) الالتفات إلى أمور مثل «الخلاف» و«مكانة العرف» ونحوها مما يعين على قوة الفكر وسعة أفق نظر فقهاء هذا المذهب.[٥]

بعض تجديدات ابن عاشور في الميدان الفقهي ناشئ من ميله الفقهي، وبعض آخر منبثق من نوع نظرته إلى الشريعة والدين.

حرية الفكر وعدم التعصب

من العناوين التي التفت إليها ابن عاشور في آيات الأحكام حرية الفكر وعدم التعصب الفقهي،[٦] وهو ناشئ من تعلّقه بالفقه المالكي. وهذه الخاصية من مختصات المدرسة التفسيرية في المغرب الإسلامي[٧] وقد عُدّت أيضاً من خصائص المذهب المالكي.[٨]

التوسع في الاستفادة من المصالح المرسلة

يعمل مالك بالمصالح المرسلة أكثر من الأئمة الآخرين، ويقول بالتوسع في الاستفادة منها.[٩] وقد تناول ابن عاشور أيضاً في «مقاصد الشريعة الإسلامية» بحث المصلحة في الشريعة بالتفصيل، وبتقسيمه المصلحة إلى عامة وخاصة قال إنّ المصلحة العامة هي كل ما فيه صلاح عموم الناس، والمصلحة الخاصة ما يُؤمَّن به صلاح كل إنسان على حدة دون لحاظ حالتهم الاجتماعية.[١٠]

نظرية التسامح والتساهل في الشريعة

ومن مباني ابن عاشور الأخرى في مواجهة آيات الأحكام الاعتقاد بنظرية التسامح والتساهل. وقد ذكر التسامح في تفسيره وفي آثاره الأخرى بوصفه من أهم الأسس الجوهرية والنظرية للإسلام ومن المباني المهمة للشريعة.

ماهية التسامح في الإسلام ومكانته في فكر ابن عاشور

يعدّ ابن عاشور التسامح والمداراة مع المؤمنين أولى خصائص الشريعة الإسلامية وأكبر مقاصدها الشرعية،[١١] وقد عدّ آيات مثل البقرة: 85 والحج: 78 والمائدة: 6 وعدة روايات عن النبي(ص) دليلاً على صحة نظرية التسامح في الإسلام.[١٢] ويرى التسامح من لوازم فطرية دين الإسلام، ويصرّح بأنّ أهم فارق بين الإسلام والأديان الأخرى هو ابتناؤه على الفطريات.[١٣] وبحسب قول ابن عاشور فإنّ التسامح حدّ بين التشدد والإهمال، ويرجع إلى مفهوم الاعتدال والوسطية.[١٤]

وفي رأي ابن عاشور للتسامح أثر عظيم في انتشار الشريعة واستمرار حياتها. وبجمعه مجموع هذه الأدلة يخلص إلى أنّ التسامح من أهم المباحث الدينية.[١٥] ويرى الشريعة الإلهية شريعةً ذات تسامح وبُعد عن الخشونة وثبات وتغيّر في التشريع والمساواة والحرية.[١٦]

تطبيق التسامح على أحكام الصيام

يقول ابن عاشور، على مبنى التسامح في الشريعة وباستناده إلى لفظة «يطيقونه» في الآية 184 من سورة البقرة، بجواز الإفطار لجميع من يشقّ عليهم الصيام أو يحتملون ضرراً كالشيوخ والنساء المرضعات والحوامل. وهذا الحكم يختلف باختلاف الأمزجة وأزمنة الصيام وبحسب مهنة الصائم. ولذلك فإنّ حكم أصحاب الحِرف والأعمال الشاقة حكم الشيوخ والنساء المرضعات والحوامل.[١٧]

قابلية الأحكام للتعليل، أرضية للانسجام مع العقلانية العصرية

من مباني المصلحية وعقلنة الفقه مدى الالتزام بظاهر الأحكام أو فتح المجال للتعليل. وابن عاشور من أصحاب النظر الذين قبلوا قابلية الأحكام للتعليل.[١٨]

وقد أقام نظرية مقاصد الشريعة عنده على ثلاثة أسس عقلية هي: الفطرة والمصلحة والتعليل. وقد ربط ابن عاشور عقلنة التفكير الديني في دائرة التشريعات بالاعتقاد بقابلية الأحكام للتعليل، وعبّر عنها بـ«معقولية التشريع».[١٩] ويعتقد أنّ إنكار التعليل سيؤدي إلى الجمود على ظواهر الألفاظ الشرعية في الاستدلالات، وهو ما سيجرّ الشريعة إلى هاوية التوقف والركود في إثبات أحكام الشرع في الأحداث الجديدة، ويُخشى أن يؤدي إلى نفي قابليات الشريعة لكل زمان ومكان.[٢٠]

ويرى ابن عاشور جميع الأحكام العبادية والمعاملية، عدا الأحكام التعبدية المحضة، قابلة للتعليل، ويمكن بالاجتهاد الوصول إلى عللها.[٢١] وقد أدّت هذه النظرية إلى مؤاخذة عدد من المفكرين لابن عاشور بأنه لماذا يبحث عن العلة حتى في أدق المسائل الفقهية.[٢٢]

في ضرب النساء

يؤكد ابن عاشور في بحث ضرب النساء في ذيل الآية 34 من سورة النساء أنه لا يمكن الاستدلال على جواز ضرب الزوجة بـ«الضرب» الذي منشؤه النشوز والكراهة المقبولان عند عرف العرب؛ لأنّ هذا القانون جرى على أساس عرف المجتمع العربي في ذلك الزمان، كما أنّ اختلاف الناس قد لوحظ فيه. وقد أشار ابن عاشور في تفسيره، لمنع إساءة الرجال استخدام هذا الحكم، مؤكداً على أنّ «قلّ من يعاقب على قدر الذنب»، إلى الرافعة الحكومية في هذا الشأن، وقال إنّ للحكومة، لمنع إساءة الرجال استخدام مثل هذه الأحكام، أن تتولى هي إجراء هذه الأحكام وتعاقب كل من يقدم عليها تعسفاً.[٢٣]

ابن عاشور ومقاصد الشريعة

بعد مرور سنوات على أول طبعة لكتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية» لابن عاشور، ما زال هذا الكتاب وآراء مؤلفه مصدراً مهماً في مقاصد الشريعة، ويخضع لنقد أصحاب النظر وتحليلهم، ومن ذلك يمكن الإشارة إلى كتابَي «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور» و«الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية». وابن عاشور، الذي وصفه أحمد الريسوني بـ«المعلم الثاني» في المقاصد،[٢٤] طرح همّ مقاصد الشريعة بكتاب «أليس الصبح بقريب».[٢٥]

ونظرية المقاصد، كما يكتب إسماعيل الحسني، تتجلى في نظر ابن عاشور في فكرة تحقق الصلاح الفردي والاجتماعي والعمراني، وطريقها إصلاح العالم عن طريق صلاح الإنسان المسيطر على العالم. وهذا المقصد حاكم على سائر المقاصد.[٢٦] وقد عدّ بعضهم نظرية مقاصد ابن عاشور نهاية لعلم الأصول؛ لأنهم يعتقدون أنّ نظرية المقاصد عبور من النظرة التجزيئية (الجزئية) في فهم الأحكام ورؤيتها فردية إلى النظرة الاجتماعية والعامة.[٢٧]

تصنيف المقاصد

من تجديدات ابن عاشور، بحسب بيان أحمد الريسوني، أنه فتح ميداناً جديداً للنظرة المقاصدية يقع في الوسط بين المقاصد الكلية والجزئية.[٢٨] ويكتب الريسوني في أثر آخر له: مقاصد الشريعة ثلاثة أنواع؛ المقاصد الكلية والمقاصد الجزئية والمقاصد الخاصة.[٢٩] وقد جاء الريسوني في تعريف المقاصد الخاصة بما يلي: المقاصد التي هي فوق المقاصد الجزئية ودون المقاصد الكلية وناظرة إلى تشريع معين.[٣٠] ويرى ابن عاشور أنّ الحصول على المقاصد ممكن من ثلاث طرق: الاستقراء، والأدلة القرآنية الواضحة، والسنة المتواترة.[٣١]

ويرى إسماعيل الحسني، الذي حاول أن تكون له نظرة نقدية إلى نظرية ابن عاشور، أنّ الطرق التي اعتمد عليها ابن عاشور -في إثبات مقاصد الشريعة- لا تصل إلا إلى المقاصد الكلية؛ لأنها إما ترجع إلى الاستقراء، ... وإما إلى الأدلة القرآنية التي تدل على المقصد الكلي.[٣٢] ويرى أنّ طرق إثبات المقاصد عند ابن عاشور لا تنحصر فيما عرضه في جزء صغير من كتاب المقاصد، بل إنّ التأمل في منهجية البحث يوصل الباحث إلى كشف طرق أخرى في إثبات المقاصد.[٣٣]

المقصدية وأضحية الحج

ابن عاشور من الفقهاء الذين أفتوا قبل سنوات، بالتمسك بعلم المقاصد والاستفادة من الآيات الإلهية، بالاستفادة المثلى من الأضحية في الحج، وأشار في ذيل الآية 37 من سورة الحج «لَن يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها»، مؤكداً على لزوم رعاية مقاصد الشارع من تشريع هذا الحكم وهي سدّ حاجة المحتاج بهذه الطريقة مع لزوم حفظ الأموال، إلى عدم رضا الشارع بتعطيل هذا الحكم، وقال: في نظري أنّ كلتا الحالتين، بيع الأضحية وشراءها أو تجميد الزائد على حاجة الناس في أيام الحج حتى يستفيد منه المحتاجون على مدار السنة، أوفق لمقاصد الشرع؛ لأنه يؤدي إلى منع إضاعة اللحوم الزائدة وحفظ أموال الناس.[٣٤]

ابن عاشور وأسس النظام الاجتماعي للدين

يرى ابن عاشور ميدان الاجتماع والسياسة أحد هموم الدين، وخلافاً لأمثال علي عبد الرازق لا يعترف بالعلمانية. ويضع أسس النظام الاجتماعي للدين تحت فنّين: الفن الأول أساسه مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والاتحاد وحب النوع الإنساني، والفن الثاني قائم على المساواة والحرية والحق والعدل والتسامح وغيرها.[٣٥]

وقد تحدث ابن عاشور في كتاب «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام»، بالنظر إلى نظرته الاجتماعية إلى الدين الإسلامي والحاكمية الدينية، عن الحكام وشروطهم وطرق انتخابهم بالتفصيل. وقد التفت إلى هذه النظرة في التفسير أيضاً. ومن ذلك أنه في تفسير الآية 59 من سورة النساء يرى أولي الأمر هم الذين فوّض الناس إليهم أمر حكومتهم.[٣٦] ويمكن أن يُفهم من هذه العبارة لابن عاشور أنه يرى طريقة الانتخاب شيئاً في سياق الديمقراطيات الحديثة؛ لكن حين يكون في مقام تبيين شروط الحكام لا يمكن عدّه موافقاً للأفكار الجديدة في الحكم؛ لأنّ أولي الأمر في نظره في نظر الشريعة طائفة معينة من القادة الدينيين للأمة المسلمة يجب أن تُوجد صفاتهم في الشريعة.[٣٧]

الحكومة الدينية والحريات البشرية

والضلع الآخر لفكر ابن عاشور السياسي هو عنايته بنطاق حاكمية الحكومات الدينية وكونها محدودة برعاية الحريات البشرية. ويعتقد أنّ أهم وظائف الحكومة الدينية رعاية المساواة والحرية وحفظ حقوق الناس والعدل والنظام المالي والدفاع عن البلد وغيرها. ويقسّم ابن عاشور الحرية في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام إلى حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية القول وحرية السلوك.[٣٨] ويقيّم، في مقام المفاضلة بين أنواع الحريات وتقديرها، حرية الاعتقاد بأنها أوسع أنواع الحريات؛ لأنّ نطاقها واسع ومعيارها الوحيد الأدلة والبراهين العقلية.[٣٩]

حرية الفكر والعمل

يعتقد ابن عاشور أنه لما كان العقل والتفكير جوهر الإنسان الأصلي، فإنّ حرية الفكر والقول تُعدّ من الحقوق المسلَّمة لجميع الناس، والتعدي على هذا الحق ظلم كبير للناس. ويتناول ابن عاشور، بشرحه أكثر مفهوم كل من هذه الحريات وزواياها، العلاقة بينها وبين المجتمع الديني ونسبتها إليه. ويقول في شأن الحرية في ميدان السلوك: إنّ تقييد هذا النوع من الحرية في حق غير المعصوم عسير جداً؛ ولذلك يجب على الولاة أن يحتاطوا، وألا يقدموا على تقييد الحريات بأكثر مما يؤدي إلى دفع الفساد وجلب المصلحة؛ لأنه ظلم.

وقد بلغ ابن عاشور في الاعتقاد بالحريات البشرية إلى حدّ أنه يرى آية لا إكراه في الدين ناسخة لآيات القتال؛ لأنّ الإسلام دين يجب أن يُختار بحرية واختيار. وأهمية هذه النقطة أنه في النظرية السياسية لكثير من أبناء مذهب ابن عاشور تكون الطاعة هي الأصل ومعارضة الحاكمية بحكم الخروج على خليفة الإسلام.

المكانة الحكومية للنبي(ص)

ظهر الاعتقاد بوجود الحريات البشرية في المنظومة الفكرية لابن عاشور بوضوح، إلى حدّ أنه يعتقد أنّ النبي(ص) أيضاً بشر مثلنا وما عنده ليس منه؛ بل يُوحى إليه. ويرى أنّ النبي لم يُنتخب عالماً ليتولى الإجابة عن أسئلة الناس؛ بل له علم مماثل لعلم الآخرين، والله يوحي إليه في ميدان التوحيد والتشريع ما يراه مصلحة ليبلّغه إلى الناس. ويقول بصراحة إنّ الأمر بطاعة الله والرسول أمر بطاعة الشريعة، وإنّ أوامر النبي(ص) في دائرة الأمور الشرعية مطاعة، وفي الأمور الاجتماعية لا يستتبع عدم الطاعة عصياناً.[٤٠]

انتخاب الحاكم من قِبل الناس

يرى ابن عاشور الحكومة الإسلامية حكومة ديمقراطية مبنية على قواعد دينية مأخوذة من الأصول القرآنية والسنة النبوية وآراء الفقهاء. ويرى أنّ الحاكمية الدينية ليست وراثية ولا شخصية، وأنّ الطريق الوحيد لانتخاب الحاكم هو آراء جمهور الناس. ويشير، في مقام جعل هذه النظرية تطبيقية، إلى كيفية انتخاب الحاكم الإسلامي ويوكلها في النهاية إلى الناس، ويقول: لما دعانا الله إلى طاعة «أولي الأمر» نفهم أنهم في نظر الشريعة أفراد خاصون. وهم قادة الأمة والأمناء عليها. وثبوت هذه الصفة لهم أيضاً يجب أن يكون مستنداً إلى الشرع. وطريق الإثبات الشرعي لصفة «أولي الأمر» إما بواسطة الخليفة وإما جماعة المسلمين (أهل الحل والعقد).[٤١]

عدّ حكم الرق في الإسلام مؤقتاً

يتجه تحليل ابن عاشور للرق، بالنظر إلى مبانيه الفكرية، نحو نفي الرق بإزالة أسبابه. ويرى أنّ ما جرى في صدر الإسلام في شأن الرق كان استراتيجية مرحلية متناسبة مع عرب عصر النزول لا أكثر. وبحسب قوله فقد صرف الإسلام جهده إلى إزالة جميع عوامل الرق، ولم يبقَ إلا عامل الأسر في الحرب، وذلك لما كان له من آثار إيجابية للمجتمع الإسلامي، ويقيّمه أيضاً نوعاً من التكتيك الرادع، ويعتقد أنّ الإسلام عوّض حتى هذا المقدار بالطرق المختلفة التي فتحها لتحرير الأرقاء.

نقد الآثار والآراء ودراستها

لمكانة ابن عاشور في ميادين التفسير والفقه والأصول والمقصدية ونقد النظرات العلمانية إلى العلاقة بين الدين والسياسة، حظي باهتمام أصحاب النظر، وقوبلت آثاره وآراؤه بنظرة نقدية. ونقد الفكر المقاصدي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لمحمد المدنيني، ومجموعة مقالات بعنوان مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور، وكتاب فقه الإنسان لعمرو الشاعر، ومنهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير» لنبيل أحمد صقر، ومدخل إلى العقل الأصولي للإمام الطاهر بن عاشور تأليف عبد الفتاح بن اليماني الزويني نماذج من الآثار والعلماء الذين درسوا تراث ابن عاشور بنظرة نقدية.

عدم الالتفات إلى تاريخية مقاصد الشريعة

تقوم نظرة ابن عاشور المقاصدية على المقاصد المتشكلة في منظومة السنة التاريخية للمسلمين. كما فعل سائر العلماء المقاصديين أيضاً. وفي هذه النظرة قد أُهمل في الواقع الالتفات إلى تاريخية المقاصد المتشكلة في فكر المسلمين. وبقي موضع هذا السؤال: ألا يمكن في مرور الزمن إعادة قراءة المقاصد وتجديدها؟

فعلى سبيل المثال، يستند ابن عاشور في بحث تعدد الزوجات، بالنظر إلى نظرته المقصدية، إلى أصل التوسع في الشريعة وعدم التشدد على الناس، ويكتب: لما حرّم الإسلام الزنا وتشدد كثيراً في تحريم ما يؤدي إلى الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام الأسرة، فتح من جهة أخرى مجالاً جديداً لمن يحتاجون إلى التعدد.[٤٢] لكن من الواضح أنّ ابن عاشور غافل تماماً عن النساء بوصفهن الطرف الآخر من هذا الحكم والتكليف. في حين أنه يمكن أن نصل إلى الاعتقاد بأنه يجب أن تُرى المقاصد فوق الجنسين بل عامة. وبعبارة أخرى، لو كانت لهذه الآية مقاصد فيجب أن تُلحظ فيها جبلّة الرجال وجبلّة النساء معاً، ولذلك فإنّ التطرق إلى طرف واحد من هذا البحث قد يستتبع تحديات.

الهوامش

  1. ↑ المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص80.
  2. ↑ الغالی، محمد الطاهر بن عاشور: حیاته و آثاره؛ الحسنی، مقاصد شریعت از نگاه ابن‌عاشور، ص142-150.
  3. ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور فی التفسیر، ص54.
  4. ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور فی التفسیر، ص139.
  5. ↑ ر.ک: الزلمی، اسباب اختلاف الفقهاء فی الاحکام الشرعیة، ص51، فرج حسین، و السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی، ص401 و الریسونی، نظریة المقاصد عند الامام الشاطبی، ص299.
  6. ↑ عنبوری، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر.
  7. ↑ شفیعی، «روش‌شناسی تفسیر در مغرب اسلامی».
  8. ↑ فراج حسین، و محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه؛ عنبوری، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر.
  9. ↑ فراج حسین، و محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه، ص400.
  10. ↑ ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة اسلامیة، ص 279.
  11. ↑ ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص268.
  12. ↑ ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص270-271.
  13. ↑ ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص92.
  14. ↑ ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص92.
  15. ↑ ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص227.
  16. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج22، ص71؛ أصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص223؛ مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص112 ـ 111.
  17. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج2، ص167.
  18. ↑ ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص93-96.
  19. ↑ ابن‌عاشورا، أصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص53-58.
  20. ↑ ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص47.
  21. ↑ ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص240-241.
  22. ↑ الفاسی، مقاصد الشریعة و مکارمها، ص 1.
  23. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص119.
  24. ↑ المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعة الاسلامیة، ص70.
  25. ↑ الریسونی، محاضرات فی المقاصد الشریعه، ص96.
  26. ↑ الحسنی، نظریه المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
  27. ↑ المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعه الاسلامیه، ص46.
  28. ↑ الریسونی، الذریعه الی مقاصد الشریعه، ص69.
  29. ↑ الریسونی، الفکر المقاصدی، قواعده و فوائده، ص15.
  30. ↑ الریسونی، محاضرات فی مقاصد التشریع، ص97.
  31. ↑ الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
  32. ↑ الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
  33. ↑ الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
  34. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج 16-17، ص268.
  35. ↑ ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص122.
  36. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص165.
  37. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص166.
  38. ↑ ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص170.
  39. ↑ ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص171.
  40. ↑ ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص174.
  41. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص166.
  42. ↑ ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص226.

المصادر

  • ابن‌عاشور، محمدطاهر، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، الجزائر، المؤسسة الوطنیه للکتاب، چاپ دوم، بی‌تا.
  • ابن‌عاشور، محمدطاهر، التحریر و التنویر (التحرير والتنوير)، موسسه التاریخ، بیروت، 1420ق.
  • ابن‌عاشور، محمدطاهر، مقاصد الشریعة الاسلامیة (مقاصد الشريعة الإسلامية)، مقدمه: محمدطاهر المیساوی اردن، دارالنفائس، 1421ق.
  • ابن‌عاشور، محمدطاهر، نقدٌ علمی لکتاب الاسلام و اصول الحکم (نقدٌ علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، قاهره، المطبعة السلفیه، 1344ق.
  • ابن‌عاشور، محمدفاضل، الحرکة الادبیة و الفکریة فی التونس (الحركة الأدبية والفكرية في تونس)، جامعة الدول العربیه، 1955م.
  • الحسنی، اسماعیل، نظریه المقاصد عندالامام محمد طاهر بن عاشور (نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور)، المعهد العالمی للفکر الاسلامی، فیرجینیا، 1416ق.
  • الریسونی، احمد، محاضرات فی المقاصد الشریعه (محاضرات في مقاصد الشريعة)، دارالکلمه، قاهره، 2014م.
  • الریسونی؛ احمد، الذریعه الی مقاصد الشریعه (الذريعة إلى مقاصد الشريعة)، دارالکلمه، قاهره، 2016م.
  • الزلمی، مصطفی ابراهیم، اسباب اختلاف الفقهاء فی الاحکام الشرعیة (أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية)، نشر احسان، کردستان عراق، 1435ق.
  • الزهرانی، خالد بن احمد، موقف الطاهر بن عاشورمن الامامیه الاثنی عشریه (موقف الطاهر بن عاشور من الإمامية الاثني عشرية)، مرکز المغرب العربی للدراسات و التدریب، 1431ق.
  • شفیعی، علی، «روش‌شناسی تفسیر در مغرب اسلامی» (منهجية التفسير في المغرب الإسلامي)، پژوهش و حوزه (البحث والحوزة)، قم، ش33، 1387ش.
  • صقر، نبیل أحمد، منهج الامام الطاهر بن عاشور فی التفسیر «التحریر و التنویر» (منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير «التحرير والتنوير»)، الدارالمصریة، 1422ق.
  • عباس، فضل حسن، دراسات اسلامیة و عربیة (دراسات إسلامية وعربية)، «الترجیح الفقهی فی التفسیر الشیخ الامام ابن‌عاشور (الترجيح الفقهي في تفسير الشيخ الإمام ابن عاشور)»، اردن، دار سراج للدعایة و الاعلان، 1423ق.
  • عنبوری، حمید، «مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر»، دارالحدیث الحسنیه، شماره 13، 1417ق.
  • الغالی، بلقاسم، شیخ الجامع الاعظم محمد الطاهر ابن‌عاشور: حیاته و آثاره (شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور: حياته وآثاره)، بیروت، دار ابن‌حزم، 1417ق.
  • الفاسی، علال، مقاصد الشریعة الاسلامیة و مکارمها (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها)، مؤسسة علال الفاسی دارالمغرب، 1993م.
  • فراج حسین، احمد و عبدالودود محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه (النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه)، بیروت، دار النهضه العربیه، 1992م.
  • مهریزی، مهدی، مقاصد شریعت از نگاه ابن‌عاشور (مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور) (ترجمه: نظریة المقاصد عند الامام محمدطاهر بن عاشور، اسماعیل الحسنی)، تهران، صحیفه خرد، 1383ش.
  • المیساوی، محمد الطاهر، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعه الاسلامیه (الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية)، عمان، دار النفائس، 1999م.
  • المیساوی، محمد طاهر، جمهرة مقالات و رسائل ابن عاشور (جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور)، دارالنفائس، اردن، 1436ق.

ar:محمد الطاهر بن عاشور