انتقل إلى المحتوى

الدية بوصفها عقوبة: الفرق بين النسختين

من موسوعة الفقه المعاصر
أنشأ الصفحة ب'{{مؤلف |مؤلف = علي شريفي |مؤلف2 = |مؤلف3 = |إعداد = |محرر1 = |محرر2 = |محرر3 = }} * '''الملخص''' '''الدية بوصفها عقوبة''' (في مقابل جبر الضرر وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لـماهية الدي...'
 
لا ملخص تعديل
 
سطر ١: سطر ١:
{{مؤلف
{{مؤلف
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف2 =
|مؤلف3 =
|إعداد =
|محرر1 =
|محرر2 =
|محرر3 =
}}
}}


* '''الملخص'''
* '''الملخص'''


'''الدية بوصفها عقوبة''' (في مقابل [[نظرية كون الدية جبرًا للضرر|جبر الضرر]] و[[نظرية اعتبار الدية أداة للرضا|بدل التراضي]] والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لـ[[ماهية الدية]] في الفقه. ووفق القواعد الفقهية، إذا كانت الدية نوعًا من العقوبة، فبما أنها من العقوبات المحددة لا يمكن تقليلها أو زيادتها.
'''الدية بوصفها عقوبة''' (في مقابل [[نظرية كون الدية جبراناً للخسارة|جبران الخسارة]] و[[نظرية عدّ الدية أداة لتحصيل الرضا|بدل التراضي]] والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة المطروحة بشأن [[ماهية الدية]] في الفقه. وبحسب القواعد الفقهية، إذا كانت الدية نوعاً من العقوبة، فبما أنها من العقوبات المعيّنة، لن يكون تخفيضها أو زيادتها ممكناً.


وقد ذُكرت عدة أدلة لإثبات كون الدية عقوبة؛ منها أن الدية في بعض الموارد بدل عن العقوبة، فتكون هي أيضًا عقوبة، أو أن للدية وظيفة زجرية وردعية وهذا علامة على كونها عقوبة، أو أن الدية قد حُدّدت حتى في الجناية على الميت، وهذا لا يمكن أن يعني إلا العقوبة لأن الضرر على الميت لا معنى له. ويُعدّ تغليظ الدية في الأشهر الحرم دليلًا آخر ذُكر لكون ماهية الدية عقوبة.
وقد ذُكرت عدة أدلة لإثبات كون الدية عقوبة؛ منها أنّ الدية في بعض الموارد بدل من العقوبة، وبذلك تكون هي نفسها عقوبة، أو أنّ للدية وظيفة تأديبية وردعية، وهذا علامة على كونها عقوبة، أو أنّ الدية قد عُيّنت حتى في الجناية على الميت، وهذا لا يمكن إلا أن يعني العقوبة، لأنه لا معنى للخسارة على الميت. كما أنّ تغليظ الدية في الأشهر الحرم دليل آخر ذُكر لكون ماهية الدية عقوبة.


وقد وُجّهت انتقادات إلى استدلالات كون ماهية الدية عقوبة؛ منها عدم تمامية الاستدلالات، وفضلًا عن ذلك أن الدية في بعض الموارد واجبة على العاقلة، في حين أنها لو كانت عقوبة لكانت عقوبة غير المجرم قبيحة.
وقد وردت انتقادات على استدلالات كون ماهية الدية عقوبة؛ منها عدم تمامية الاستدلالات، وفضلاً عن ذلك، أنّ الدية في بعض الموارد واجبة على العاقلة، في حين أنه لو كانت ماهية الدية عقوبة لكانت عقوبة غير المجرم قبيحة.


== الأهمية والمكانة ==
==الأهمية والمكانة==
اعتبار الدية نوعًا من العقوبة أحد الأجوبة التي أبداها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية حقوقي أكثر مما هو فقهي، لكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، أو يصعب ذلك، إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها؛ كمسائل الأضرار الزائدة على الدية، ونفقات العجز عن العمل، وعدم المساواة بين دية المرأة والرجل، وعدم المساواة بين دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان وأمثال ذلك، مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد ماهية الدية يتمكن الفقهاء من إعادة النظر في هذه الأحكام. وتُعدّ النظريات القائلة بأن الدية ضرر مدني، والرأي التلفيقي، واعتبارها بدل تراضٍ نظريات منافسة.
يُعدّ عدّ الدية نوعاً من العقوبة أحد الأجوبة التي أبداها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ كمسائل الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. وكون الدية خسارة مدنية، والرأي التلفيقي، وعدّها بدل التراضي، تُعدّ نظريات منافسة.


=== شرح النظرية ===
===توضيح النظرية ===
يرى بعض الحقوقيين أن ماهية الدية عقوبة، وأنها من العقوبات المالية. وقانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه عام 1392هـ.ش) عدّ الديات أيضًا من العقوبات الإسلامية، وجعل العقوبات الإسلامية في المادة 14 تشمل الحدود والقصاص والديات والتعزيرات.<ref>تجدر الإشارة إلى أن موقف قانون العقوبات الإسلامي في هذا الشأن متناقض، فبينما يعدّ في المواد المذكورة وبعض المواد الأخرى ماهية الدية عقوبة صراحةً، ينص في المادة 452 على أن لها أحكام المسؤولية المدنية أو الضمان وآثارها.</ref>
يرى بعض القانونيين أنّ ماهية الدية عقوبة، وأنها من العقوبات المالية. وقانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه سنة 1392ش) أيضاً عدّ الديات من العقوبات الإسلامية، وجعل في المادة 14 العقوبات الإسلامية شاملة للحدود والقصاص والديات والتعزيرات.<ref>تجدر الإشارة إلى أنّ موقف قانون العقوبات الإسلامي في هذا الباب متناقض، فبينما يعدّ في المواد المتقدمة وبعض المواد الأخرى ماهية الدية عقوبة صراحةً، فإنه ينص في المادة 452 على أنّ لها أحكام المسؤولية المدنية أو الضمان وآثارهما.</ref>


ويمكن عدّ مؤلف كتاب «الدية أو العقوبة المالية» من أنصار هذه النظرية.<ref>صالحي، الدية أو العقوبة المالية، ص45-50.</ref> ومن بين المؤلفين العرب قبِل هذا الرأي الدكتور محمد رشدي محمد إسماعيل<ref>أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض، ص548، نقلًا عن: محيي الدين عوض، الفقه الجنائي الإسلامي، ص77.</ref> وأحمد الحصري.<ref>الحصري، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، ص438.</ref>
ويمكن عدّ مؤلف كتاب «الدية أو العقوبة المالية» من أنصار هذه النظرية.<ref>صالحی، دیه یا مجازات مالی، صص 45 إلى 50.</ref> ومن بين الكتّاب العرب، قبِل الدكتور محمد رشدي محمد إسماعيل<ref>احمد ادریس، الدية بين العقوبة والتعويض، ص548، نقلاً عن: محی‌الدین عوض، الفقه الجنائي الإسلامي، ص77.</ref> وأحمد الحصري<ref>حصری، القصاص، الدیات، العصیان المسلح فی الفقه الاسلامی، ص438.</ref> هذا الرأي.


فإذا كانت ماهية الدية عقوبة، وجب أن تتبع الخصائص الأساسية للعقوبة، كالوظيفة الزجرية، ولزوم العنصر المعنوي (العمد أو التقصير)، والتناسب بين الجريمة والعقوبة وأمثال ذلك، وفقهيًّا، لأنها من العقوبات المحددة، لا يمكن تقليل مقدارها أو زيادته.
وإذا كانت ماهية الدية عقوبة، وجب أن تخضع للخصائص الأساسية للعقوبة، كالوظيفة التأديبية، ولزوم وجود العنصر المعنوي (العمد أو التقصير)، وتناسب الجريمة والعقوبة، وأمور نظيرة لها، ومن الناحية الفقهية، ولأنها من العقوبات المعيّنة، لا يمكن تخفيض مقدارها أو زيادته.


== أدلة القائلين بكون الدية عقوبة ==
==أدلة القائلين بكون الدية عقوبة==
يمكن تلخيص أهم أدلة هذا الرأي في الأمور التالية:
يمكن تلخيص أهم أدلة هذا الرأي في الأمور الآتية:
=== كون الدية بدلًا عن العقوبة ===
=== كون الدية بدلاً من العقوبة ===
الدية في بعض الموارد بدل عن العقوبة، وما كان بدلًا عن العقوبة فهو بدوره عقوبة. أحدهما في القتل العمد حين يعفو أولياء الدم عن القاتل ويرضون بالدية. والآخر في الموارد التي لا يمكن فيها تنفيذ القصاص لأي سبب فيتحول إلى دية؛ كموت القاتل أو فراره، وتعذّر المماثلة في القصاص في الأعضاء.<ref>الخوئي، مباني تكملة المنهاج، ج42، ص154.</ref>
في بعض الموارد تكون الدية بدلاً من العقوبة، وما كان بدلاً من العقوبة فهو نفسه عقوبة. أحدها في القتل العمد حين يعفو أولياء الدم عن القاتل ويرضون بالدية. والآخر في الموارد التي لا يمكن فيها تنفيذ القصاص لأي سبب فيتحول إلى الدية؛ كموارد موت القاتل أو فراره وعدم إمكان المماثلة في قصاص الأعضاء.<ref>خوئی، مبانی تکملة المنهاج، ج42، ص154.</ref>


وقال المنتقدون في نقد الاستدلال المذكور إن الدليل الأول غير تام، لأن العقوبة الشرعية في القتل العمد هي القصاص، والدية ليست بدلًا عنه، بل هي اتفاق بين أولياء الدم والجاني.<ref>شريفي، حاجي‌ده‌آبادي، «كشف جديد في ماهية الدية»، ص359.</ref>
وقد قال المنتقدون في نقد الاستدلال المتقدم إنّ الدليل الأول غير تام، لأنّ العقوبة الشرعية في القتل العمد هي القصاص، والدية ليست بدلاً منه، بل هي اتفاق بين أولياء الدم والمجرم.<ref>شریفی، حاجی‌ده‌آبادی، «کاوش نو در ماهیت دیه»، ص359.</ref>


=== الوظيفة الزجرية للدية ===
=== الوظيفة التأديبية للدية===
للدية وظيفة زجرية، لأنها تنبّه الجاني وتمنعه من تكرار ارتكاب القتل أو الجرح، وكل ما له وظيفة زجرية فهو عقوبة، لأن الزجر من الخصائص الأساسية لكل عقوبة.
للدية وظيفة تأديبية، لأنها تؤدي إلى تنبّه المجرم وتمنعه من ارتكاب القتل أو الجرح مرة أخرى، وكل ما كانت له وظيفة تأديبية فهو عقوبة، لأنّ التأديب من الخصائص الأساسية لكل عقوبة.


وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بأن وجود الخاصية الزجرية لا يساوي بالضرورة كون الشيء عقوبة، لأن هذه الخاصية والأثر موجودان أيضًا في التعويض المالي الذي هو مجرد مسألة مدنية.<ref>صالحي، الدية أو العقوبة المالية، ص45.</ref>
وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بأنّ وجود الخاصية التأديبية لا يساوي بالضرورة كونها عقوبة، لأنّ هذه الخاصية وهذا الأثر موجودان أيضاً في الغرامة المالية التي هي مسألة مدنية صرفة.<ref>صالحی، دیه یا مجازات مالی، ص45.</ref>


=== تحديد الدية في الجناية على الميت ===
=== تشريع الدية في الجناية على الميت===
الشرع المقدس حدّد الدية في الجناية على الميت أيضًا، في حين أن الضرر على الميت لا معنى له، فلا بد أن تكون عقوبة تُطبَّق بسبب ارتكاب عمل شنيع وحرام.
لقد عيّن الشرع المقدس الدية في الجناية على الميت أيضاً، في حين أنه لا معنى للخسارة على الميت، وعليه يجب أن تكون عقوبة تُطبَّق بسبب ارتكاب عمل شنيع وحرام.


وأجاب بعض المؤلفين عن هذا الاستدلال بأن دية الجناية على الميت تختلف عن دية الجناية على الحي بل وعن دية الجناية على الجنين؛ لأنها أولًا لا تُعطى للورثة، وثانيًا لا يتضح، بخلاف سائر الديات، وجوب دفع الدية في فرض الخطأ أيضًا، ولذلك نصّ بعض الفقهاء<ref>الفيض الكاشاني، مفاتيح الشرائع، ج2، ص155.</ref> على أن دية الجناية على الميت لا تجب في فرض الخطأ.<ref>شفيعي سروستاني وآخرون، قانون الديات ومقتضيات العصر، ص64-73.</ref>
وقد أجاب بعض الكتّاب عن هذا الاستدلال بأنّ دية الجناية على الميت تختلف عن دية الجناية على الحي، بل وعن دية الجناية على الجنين؛ لأنها أولاً لا تتعلق بالورثة، وثانياً، خلافاً لسائر الديات، ليس من الواضح وجوب دفع الدية في فرض الخطأ أيضاً، ولذلك نصّ بعض الفقهاء<ref>فیض کاشانی، مفاتيح الشرائع، ج2، ص155</ref> على أنه في فرض الخطأ لا يجب دفع دية الجناية على الميت.<ref>شفیعی سروستانی و دیگران، قانون دیات و مقتضیات زمان، ص64-73.</ref>


=== تغليظ الدية ===
=== تغليظ الدية ===
في بعض الموارد، كالأشهر الحرم أو الأماكن الخاصة كالحرم المكي، تُغلَّظ الدية. ويتم هذا التغليظ بسبب هتك حرمة الشهر الحرام أو المكان المقدس، وهو عقوبة بوضوح. ولو كانت الدية مجرد ضرر لما ينبغي أن يكون للزمان والمكان دخل في مقدارها. وقد نصّ بعض الفقهاء على أن تغليظ الدية عقوبة وأن علته هتك الحرمة.<ref>الروحاني، فقه الصادق (ع)، ج26، ص191.</ref>
في بعض الموارد، كالأشهر الحرم، أو الأماكن الخاصة، كحرم مكة، تُغلَّظ الدية. ويتم هذا التغليظ بسبب هتك حرمة الشهر الحرام أو المكان المقدس، وهو عقوبة بوضوح. ولو كانت الدية خسارة صرفة لما كان ينبغي أن يكون للزمان والمكان تدخل في مقدارها. وقد نصّ بعض الفقهاء على أنّ تغليظ الدية عقوبة وأنّ علته هتك الحرمة.<ref>روحانی، فقه الصادق(ع)، ج26، ص191.</ref>  


وفي الجواب قال بعض الفقهاء إن فلسفة تغليظ الدية في الأصل تعظيم حرمة المقتول في الأشهر الحرم، كتعظيم حرمة الرجل على المرأة أو المسلم على الكافر، ولا علاقة لها بكونها عقوبة، ولذلك يوجد تغليظ الدية حتى في القتل الخطأ.<ref>الحكيم، مسائل معاصرة في فقه القضاء، ص150.</ref> وعلى أي حال فإن كون تغليظ الدية عقوبة غير مسلَّم بين الفقهاء، ولم يُنصّ في أي دليل على أن التغليظ من باب العقوبة.
وفي الجواب، قال بعض الفقهاء إنّ فلسفة تغليظ الدية في الأساس هي تعظيم حرمة المقتول في الأشهر الحرم، كتعظيم حرمة الرجل على المرأة أو المسلم على الكافر، ولا علاقة لها بكونها عقوبة، ولهذا السبب يوجد تغليظ الدية حتى في القتل الخطأ.<ref>حکیم، مسائل معاصرة في فقه القضاء، ص150.</ref> وعلى أي حال، فإنّ كون تغليظ الدية عقوبة غير مسلَّم بين الفقهاء، ولم يُنصّ في أي دليل على أنّ التغليظ من باب العقوبة.


== الانتقادات الموجهة إلى كون الدية عقوبة ==
==الانتقادات الواردة على كون الدية عقوبة==
تعرضت أدلة كون الدية عقوبة، كلٌّ منها، للنقد والإشكال من قبل المفكرين. وقد طُرح في نقد الأدلة المقدمة من أنصار هذه النظرية نوعان من الإشكالات؛ الأول إشكالات ناظرة إلى عدم تمامية أدلة هذا الرأي، والثاني إشكالات نقضية وتناقضات يواجهها هذا الرأي.
لقد تعرضت أدلة كون الدية عقوبة، كلٌّ منها، للنقد والإشكال من قبل المفكرين. وفي نقد الأدلة التي قدّمها أنصار هذه النظرية طُرح نوعان من الإشكالات؛ الأول إشكالات ناظرة إلى عدم تمامية أدلة هذا الرأي، والثاني الإشكالات النقضية والتناقضات التي يواجهها هذا الرأي.  


ومن النقوض يمكن الإشارة إلى أن الدية في بعض الموارد على العاقلة، في حين أن عقوبة غير المجرم قبيحة، أو أنها لو كانت عقوبة لوجب إيداعها في خزينة الدولة، في حين أنها تُعطى للمجني عليه أو أولياء الدم فقط.
ومن الانتقادات النقضية يمكن الإشارة إلى أنّ الدية في بعض الموارد على العاقلة، في حين أنّ عقوبة غير المجرم قبيحة، أو أنه لو كانت الدية عقوبة لوجب أن تُودَع في خزينة الدولة، في حين أنها تُعطى فقط للمجني عليه أو لأولياء الدم.


== الهوامش ==
==الهوامش==
{{مراجع}}
{{مراجع}}


== المصادر ==
==المصادر==
* أحمد إدريس، عوض، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1986م، الأولى.
{{مصادر}}
* الحصري، أحمد، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1393هـ، الأولى.
* احمد ادریس، عوض، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1986م، الطبعة الأولى.  
* الحكيم، السيد محمد سعيد، مسائل معاصرة في فقه القضاء، النجف، دار الهلال، 1427هـ، الثانية.
* حصری، احمد، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1393ق، الطبعة الأولى.  
* الخوئي، السيد أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج (موسوعة 42)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1422هـ.
* حکیم، سید محمدسعید، مسائل معاصرة في فقه القضاء، النجف، دار الهلال، 1427ق، الطبعة الثانية‌.  
* الروحاني، السيد صادق، فقه الصادق (ع)، د.ن، د.ت، د.م.
* خوئی، سید ابوالقاسم، مباني تكملة المنهاج (موسوعة 42)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1422ق.  
* شريفي، علي؛ حاجي‌ده‌آبادي، أحمد، «كشف جديد في ماهية الدية»، فصلية «پژوهش‌هاي فقهي»، المجلد 17، ع2، جامعة طهران.
* روحانی، سید صادق، فقه الصادق(ع)، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان.
* شفيعي سروستاني، إبراهيم؛ رحمان ستايش، محمد كاظم؛ قياسي، جلال الدين؛ قانون الديات ومقتضيات العصر، طهران، مركز البحوث الاستراتيجية برئاسة الجمهورية، 1376هـ.ش، الأولى.
* شریفی، علی؛ حاجی‌ده‌آبادی، احمد، «کاوش نو در ماهیت دیه» (بحث جديد في ماهية الدية)، فصلنامه پژوهشهای فقهی (فصلية البحوث الفقهية)، المجلد 17، العدد 2، جامعة طهران.  
* صالحي، فاضل، الدية أو العقوبة المالية، قم، مركز انتشارات مكتب الإعلام الإسلامي، 1378هـ.ش.
* شفیعی سروستانی، ابراهیم؛ رحمان ستایش، محمدکاظم؛ قیاسی، جلال‌الدین؛ قانون دیات و مقتضیات زمان (قانون الديات ومقتضيات العصر)، طهران، مركز البحوث الاستراتيجية في رئاسة الجمهورية، 1376، الطبعة الأولى.  
* الفيض الكاشاني، محمد محسن، مفاتيح الشرائع، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، د.ت، الأولى.
* صالحی، فاضل، دیه یا مجازات مالی (الدية أو العقوبة المالية)، قم، مركز منشورات مكتب الدعاية الإسلامية، 1378ش.  
* فیض کاشانی، محمدمحسن، مفاتيح الشرائع، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، دون تاريخ، الطبعة الأولى.


[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[en:Theory of diya as a punishment]]
[[en:Theory of diya as a punishment]]
[[fa:نظریه مجازات‌بودن دیه]]
[[fa:نظریه مجازات‌بودن دیه]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٢٠:١١، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦

مؤلف: علي شريفي



  • الملخص

الدية بوصفها عقوبة (في مقابل جبران الخسارة وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة المطروحة بشأن ماهية الدية في الفقه. وبحسب القواعد الفقهية، إذا كانت الدية نوعاً من العقوبة، فبما أنها من العقوبات المعيّنة، لن يكون تخفيضها أو زيادتها ممكناً.

وقد ذُكرت عدة أدلة لإثبات كون الدية عقوبة؛ منها أنّ الدية في بعض الموارد بدل من العقوبة، وبذلك تكون هي نفسها عقوبة، أو أنّ للدية وظيفة تأديبية وردعية، وهذا علامة على كونها عقوبة، أو أنّ الدية قد عُيّنت حتى في الجناية على الميت، وهذا لا يمكن إلا أن يعني العقوبة، لأنه لا معنى للخسارة على الميت. كما أنّ تغليظ الدية في الأشهر الحرم دليل آخر ذُكر لكون ماهية الدية عقوبة.

وقد وردت انتقادات على استدلالات كون ماهية الدية عقوبة؛ منها عدم تمامية الاستدلالات، وفضلاً عن ذلك، أنّ الدية في بعض الموارد واجبة على العاقلة، في حين أنه لو كانت ماهية الدية عقوبة لكانت عقوبة غير المجرم قبيحة.

الأهمية والمكانة

يُعدّ عدّ الدية نوعاً من العقوبة أحد الأجوبة التي أبداها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ كمسائل الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. وكون الدية خسارة مدنية، والرأي التلفيقي، وعدّها بدل التراضي، تُعدّ نظريات منافسة.

توضيح النظرية

يرى بعض القانونيين أنّ ماهية الدية عقوبة، وأنها من العقوبات المالية. وقانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه سنة 1392ش) أيضاً عدّ الديات من العقوبات الإسلامية، وجعل في المادة 14 العقوبات الإسلامية شاملة للحدود والقصاص والديات والتعزيرات.[١]

ويمكن عدّ مؤلف كتاب «الدية أو العقوبة المالية» من أنصار هذه النظرية.[٢] ومن بين الكتّاب العرب، قبِل الدكتور محمد رشدي محمد إسماعيل[٣] وأحمد الحصري[٤] هذا الرأي.

وإذا كانت ماهية الدية عقوبة، وجب أن تخضع للخصائص الأساسية للعقوبة، كالوظيفة التأديبية، ولزوم وجود العنصر المعنوي (العمد أو التقصير)، وتناسب الجريمة والعقوبة، وأمور نظيرة لها، ومن الناحية الفقهية، ولأنها من العقوبات المعيّنة، لا يمكن تخفيض مقدارها أو زيادته.

أدلة القائلين بكون الدية عقوبة

يمكن تلخيص أهم أدلة هذا الرأي في الأمور الآتية:

كون الدية بدلاً من العقوبة

في بعض الموارد تكون الدية بدلاً من العقوبة، وما كان بدلاً من العقوبة فهو نفسه عقوبة. أحدها في القتل العمد حين يعفو أولياء الدم عن القاتل ويرضون بالدية. والآخر في الموارد التي لا يمكن فيها تنفيذ القصاص لأي سبب فيتحول إلى الدية؛ كموارد موت القاتل أو فراره وعدم إمكان المماثلة في قصاص الأعضاء.[٥]

وقد قال المنتقدون في نقد الاستدلال المتقدم إنّ الدليل الأول غير تام، لأنّ العقوبة الشرعية في القتل العمد هي القصاص، والدية ليست بدلاً منه، بل هي اتفاق بين أولياء الدم والمجرم.[٦]

الوظيفة التأديبية للدية

للدية وظيفة تأديبية، لأنها تؤدي إلى تنبّه المجرم وتمنعه من ارتكاب القتل أو الجرح مرة أخرى، وكل ما كانت له وظيفة تأديبية فهو عقوبة، لأنّ التأديب من الخصائص الأساسية لكل عقوبة.

وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بأنّ وجود الخاصية التأديبية لا يساوي بالضرورة كونها عقوبة، لأنّ هذه الخاصية وهذا الأثر موجودان أيضاً في الغرامة المالية التي هي مسألة مدنية صرفة.[٧]

تشريع الدية في الجناية على الميت

لقد عيّن الشرع المقدس الدية في الجناية على الميت أيضاً، في حين أنه لا معنى للخسارة على الميت، وعليه يجب أن تكون عقوبة تُطبَّق بسبب ارتكاب عمل شنيع وحرام.

وقد أجاب بعض الكتّاب عن هذا الاستدلال بأنّ دية الجناية على الميت تختلف عن دية الجناية على الحي، بل وعن دية الجناية على الجنين؛ لأنها أولاً لا تتعلق بالورثة، وثانياً، خلافاً لسائر الديات، ليس من الواضح وجوب دفع الدية في فرض الخطأ أيضاً، ولذلك نصّ بعض الفقهاء[٨] على أنه في فرض الخطأ لا يجب دفع دية الجناية على الميت.[٩]

تغليظ الدية

في بعض الموارد، كالأشهر الحرم، أو الأماكن الخاصة، كحرم مكة، تُغلَّظ الدية. ويتم هذا التغليظ بسبب هتك حرمة الشهر الحرام أو المكان المقدس، وهو عقوبة بوضوح. ولو كانت الدية خسارة صرفة لما كان ينبغي أن يكون للزمان والمكان تدخل في مقدارها. وقد نصّ بعض الفقهاء على أنّ تغليظ الدية عقوبة وأنّ علته هتك الحرمة.[١٠]

وفي الجواب، قال بعض الفقهاء إنّ فلسفة تغليظ الدية في الأساس هي تعظيم حرمة المقتول في الأشهر الحرم، كتعظيم حرمة الرجل على المرأة أو المسلم على الكافر، ولا علاقة لها بكونها عقوبة، ولهذا السبب يوجد تغليظ الدية حتى في القتل الخطأ.[١١] وعلى أي حال، فإنّ كون تغليظ الدية عقوبة غير مسلَّم بين الفقهاء، ولم يُنصّ في أي دليل على أنّ التغليظ من باب العقوبة.

الانتقادات الواردة على كون الدية عقوبة

لقد تعرضت أدلة كون الدية عقوبة، كلٌّ منها، للنقد والإشكال من قبل المفكرين. وفي نقد الأدلة التي قدّمها أنصار هذه النظرية طُرح نوعان من الإشكالات؛ الأول إشكالات ناظرة إلى عدم تمامية أدلة هذا الرأي، والثاني الإشكالات النقضية والتناقضات التي يواجهها هذا الرأي.

ومن الانتقادات النقضية يمكن الإشارة إلى أنّ الدية في بعض الموارد على العاقلة، في حين أنّ عقوبة غير المجرم قبيحة، أو أنه لو كانت الدية عقوبة لوجب أن تُودَع في خزينة الدولة، في حين أنها تُعطى فقط للمجني عليه أو لأولياء الدم.

الهوامش

  1. ↑ تجدر الإشارة إلى أنّ موقف قانون العقوبات الإسلامي في هذا الباب متناقض، فبينما يعدّ في المواد المتقدمة وبعض المواد الأخرى ماهية الدية عقوبة صراحةً، فإنه ينص في المادة 452 على أنّ لها أحكام المسؤولية المدنية أو الضمان وآثارهما.
  2. ↑ صالحی، دیه یا مجازات مالی، صص 45 إلى 50.
  3. ↑ احمد ادریس، الدية بين العقوبة والتعويض، ص548، نقلاً عن: محی‌الدین عوض، الفقه الجنائي الإسلامي، ص77.
  4. ↑ حصری، القصاص، الدیات، العصیان المسلح فی الفقه الاسلامی، ص438.
  5. ↑ خوئی، مبانی تکملة المنهاج، ج42، ص154.
  6. ↑ شریفی، حاجی‌ده‌آبادی، «کاوش نو در ماهیت دیه»، ص359.
  7. ↑ صالحی، دیه یا مجازات مالی، ص45.
  8. ↑ فیض کاشانی، مفاتيح الشرائع، ج2، ص155
  9. ↑ شفیعی سروستانی و دیگران، قانون دیات و مقتضیات زمان، ص64-73.
  10. ↑ روحانی، فقه الصادق(ع)، ج26، ص191.
  11. ↑ حکیم، مسائل معاصرة في فقه القضاء، ص150.

المصادر

  • احمد ادریس، عوض، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1986م، الطبعة الأولى.
  • حصری، احمد، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1393ق، الطبعة الأولى.
  • حکیم، سید محمدسعید، مسائل معاصرة في فقه القضاء، النجف، دار الهلال، 1427ق، الطبعة الثانية‌.
  • خوئی، سید ابوالقاسم، مباني تكملة المنهاج (موسوعة 42)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1422ق.
  • روحانی، سید صادق، فقه الصادق(ع)، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان.
  • شریفی، علی؛ حاجی‌ده‌آبادی، احمد، «کاوش نو در ماهیت دیه» (بحث جديد في ماهية الدية)، فصلنامه پژوهشهای فقهی (فصلية البحوث الفقهية)، المجلد 17، العدد 2، جامعة طهران.
  • شفیعی سروستانی، ابراهیم؛ رحمان ستایش، محمدکاظم؛ قیاسی، جلال‌الدین؛ قانون دیات و مقتضیات زمان (قانون الديات ومقتضيات العصر)، طهران، مركز البحوث الاستراتيجية في رئاسة الجمهورية، 1376، الطبعة الأولى.
  • صالحی، فاضل، دیه یا مجازات مالی (الدية أو العقوبة المالية)، قم، مركز منشورات مكتب الدعاية الإسلامية، 1378ش.
  • فیض کاشانی، محمدمحسن، مفاتيح الشرائع، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، دون تاريخ، الطبعة الأولى.