انتقل إلى المحتوى

الدية بوصفها جبرًا للضرر: الفرق بين النسختين

من موسوعة الفقه المعاصر
أنشأ الصفحة ب'{{مؤلف |مؤلف = علي شريفي |مؤلف2 = |مؤلف3 = |إعداد = |محرر1 = |محرر2 = |محرر3 = }} * '''الملخص''' '''الدية بوصفها جبرًا للضرر''' (في مقابل العقوبة وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لماهية الدية في...'
 
لا ملخص تعديل
 
سطر ١: سطر ١:
{{مؤلف
{{مؤلف
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف2 =
|مؤلف3 =
|إعداد =
|محرر1 =
|محرر2 =
|محرر3 =
}}
}}


* '''الملخص'''
* '''الملخص'''


'''الدية بوصفها جبرًا للضرر''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية اعتبار الدية أداة للرضا|بدل التراضي]] والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لماهية الدية في الفقه. وتفسير ماهية الدية بوصفها جبرًا للضرر هو الاتجاه الغالب بين الفقهاء والباحثين المتأخرين؛ ومنهم [[يوسف الصانعي]] بالتصريح، و[[حسين علي منتظري]] مع شيء من التأمل، وكذلك [[أبو القاسم گرجي]].
'''الدية بوصفها جبراناً للخسارة''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية عدّ الدية أداة لتحصيل الرضا|بدل التراضي]] والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه. ويُعدّ تبيين ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة الاتجاه الغالب بين الفقهاء والباحثين المتأخرين؛ ومنهم [[يوسف الصانعي]] بالتصريح، و[[حسين علي المنتظري]] مع شيء من التأمل، وكذلك [[أبو القاسم گرجي]].


وقد ذُكرت أدلة لإثبات ماهية الدية بوصفها جبرًا للضرر؛ منها أن للدية وظيفة جبرية، إذ يقع في القتل الخطأ وشبه العمد بل وفي الجراحة ضرر بدني على المصاب، والدية في هذه الموارد لجبر هذا الضرر. ومن الأدلة الأخرى أنه لما كانت الدية في الروايات في مقابل الأرش، والأرش ناظر إلى جبر الضرر في الموارد التي لم تُحدَّد فيها دية، فينبغي أن تكون الدية أيضًا لجبر الضرر.
وقد ذُكرت أدلة لإثبات ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة؛ منها أنّ للدية وظيفة جبرانية، لأنه في القتل الخطأ والقتل شبه العمد، بل وحتى في الجراحة، تقع خسارة بدنية على المصاب، والدية في هذه الموارد لجبران هذه الخسارة. والدليل الآخر أنّ الدية قد وردت في الروايات في مقابل الأرش، والأرش ناظر إلى جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، وبذلك يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.


ومع ذلك وُجّهت انتقادات إلى الأدلة المذكورة؛ منها أن تقدير ثمن لنفس الإنسان وأعضائه غير صحيح، لأن التسعير يُتصوَّر حيث يكون هناك مال لا إنسان. وفي دليل الأرش قيل إن الدية أو الأرش شُرّعا أحيانًا في موارد لا يوجد فيها عيب أو نقص أصلًا، وبالتالي لم يقع ضرر حتى تُعدّ الدية جبرًا للضرر.
ومع ذلك فقد وردت انتقادات على الأدلة المتقدمة؛ منها أنّ تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه غير صحيح، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال لا إنسان. وأما بشأن دليل الأرش فقد قيل إنّ الدية أو الأرش قد شُرّعا أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص، وبذلك لم تقع خسارة حتى تُعدّ الدية جبراناً للخسارة.  


== الأهمية والمكانة ==
==الأهمية والمكانة==
اعتبار الدية أداةً لجبر الضرر أحد الأجوبة التي بيّنها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية حقوقي أكثر مما هو فقهي، لكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة حول الدية لا يمكن الإجابة عنها، أو يصعب ذلك، إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها؛ ومنها الأضرار الزائدة على الدية، ونفقات العجز عن العمل، وعدم المساواة بين دية المرأة والرجل، وعدم المساواة بين دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان وأمثال ذلك، مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد ماهية الدية يتمكن الفقهاء من إعادة النظر في هذه الأحكام. وفي المقابل تُعدّ نظريات كون الدية عقوبة، والرأي التلفيقي، واعتبارها بدل تراضٍ نظريات منافسة.
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجبران الخسارة أحد الأجوبة التي بيّنها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ ومنها الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. وفي المقابل، يُعدّ كون الدية عقوبة، والرأي التلفيقي، وعدّها بدل التراضي، نظريات منافسة.


=== شرح النظرية ===
===توضيح النظرية===
الاتجاه الغالب بين المفكرين المتأخرين هو أن الدية ذات ماهية جبرٍ للضرر البدني. ومن اختار هذا الرأي يمكن الإشارة إلى أبي القاسم گرجي،<ref>گرجي، الديات، ص51.</ref> والسيد محمد حسن المرعشي،<ref>المرعشي، وجهات نظر جديدة في الحقوق، ج2، ص45.</ref> والسيد منصور ميرسعيدي،<ref>ميرسعيدي، الماهية الحقوقية للديات، ص92.</ref> وبين مفكري أهل السنة إلى عوض أحمد إدريس.<ref>أحمد إدريس، الدية، ص348.</ref> وبين مراجع التقليد المعاصرين يميل يوسف الصانعي صراحةً<ref>الصانعي، منتخب الأحكام، ص334.</ref> وحسين علي منتظري مع شيء من التأمل<ref>منتظري، العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان، ص36-38.</ref> إلى هذا الرأي.
الاتجاه الغالب بين المفكرين المتأخرين هو أنّ الدية ذات ماهية جبرانية للخسارة البدنية. ومن اختار هذا الرأي يمكن الإشارة إلى أبي القاسم گرجي،<ref>گرجی، دیات، ص51.</ref> والسيد محمد حسن مرعشي،<ref>مرعشی، دیدگاه‌های نو در حقوق، ج2، ص45.</ref> والسيد منصور ميرسعيدي،<ref>میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص92.</ref> ومن بين مفكري أهل السنة إلى عوض أحمد إدريس.<ref>احمد ادریس، الدیه، ص348.</ref> ومن بين مراجع التقليد المعاصرين يميل يوسف الصانعي بالتصريح<ref>صانعی، منتخب الاحکام، ص334.</ref> وحسين علي المنتظري مع شيء من التأمل<ref>منتظری، مجازات‌های اسلامی و حقوق بشر، ص36-38.</ref> إلى هذا الرأي.


== أدلة رأي الضرر ==
== أدلة رأي الخسارة ==
تجب الإشارة إلى أن بعض الأدلة التي قُدّمت دفاعًا عن هذا الرأي لا تثبت كون الدية جبرًا للضرر مباشرةً، بل تثبت فقط أنها ليست عقوبة، ولن تُطرح هذه الطائفة من الأدلة هنا.
تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأدلة التي قُدّمت دفاعاً عن هذا الرأي لا تثبت مباشرةً كون الدية خسارة، بل تثبت فقط أنها ليست عقوبة، وهذا الصنف من الأدلة لن يُطرح هنا.  


=== كون الدية ذات وظيفة جبرية ===
=== كون الدية ذات وظيفة جبرانية ===
في موارد وجوب الدية، سواء كان متعلقها القتل (القتل الخطأ، وشبه العمد، والعمد الذي لا قصاص فيه، والعمد الذي لا يمكن تنفيذ القصاص فيه) أم الجراحة، فقد وقع قطعًا ضرر بدني على المصاب؛ ولما لم تُقرّر الشريعة الإسلامية غير الدية طريقًا آخر لجبر هذا الضرر، يتضح أن الدية شُرّعت لجبر هذا الضرر؛ لأن احتمال ألّا يكون قد شُرّع شيء لهذه الأضرار لا ينسجم مع عدالة الشريعة ولا مع قواعد مثل «قاعدة الطلّ».
في موارد وجوب الدية، سواء كان متعلقها القتل (القتل الخطأ، وشبه العمد، والعمد الذي لا قصاص فيه، والعمد الذي لا يمكن فيه تنفيذ القصاص) أو الجراحة، فمن المسلّم أنّ خسارة بدنية قد وقعت على الشخص المصاب؛ وبما أنّ الشريعة الإسلامية لم تقرّر طريقاً آخر غير الدية لجبران هذه الخسارة، يتبيّن أنّ الدية قد شُرّعت لجبران هذه الخسارة؛ لأنّ احتمال أن لا يكون قد شُرّع شيء لهذه الخسائر لا ينسجم مع عدالة الشريعة ولا مع قواعد مثل «قاعدة الطلّ».  


=== وحدة سياق الدية والأرش ===
=== وحدة سياق الدية والأرش ===
في الروايات<ref>انظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج29، ص177، الباب 14 من أبواب قصاص النفس؛ ص327، الباب 24 من أبواب ديات الأعضاء، ح3.</ref> جاءت الدية في مقابل الأرش، ولما كانت ماهية الأرش جبرَ الضرر في الموارد التي لم تُحدَّد فيها دية، فبقرينة المقابلة ينبغي أن تكون الدية أيضًا لجبر الضرر.
في الروايات<ref>نگاه کنید به: حر عاملی، وسایل الشیعه، ج29، ص177، باب 14 من أبواب قصاص النفس؛ ص327، باب 24 من أبواب ديات الأعضاء، ح3.</ref> وردت الدية في مقابل الأرش، وبما أنّ ماهية الأرش هي جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، فبقرينة المقابلة يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.


ولإثبات ماهية الأرش يمكن الاستدلال بتعريف الشيخ الأنصاري وبعض محشّي المكاسب للأرش، الذين عرّفوه بقولهم: «مال يؤخذ عوضًا عن النقص المضمون في المال أو البدن».<ref>الشيخ الأنصاري، كتاب المكاسب، ج5، ص391.</ref> وليس في هذا التعريف للأرش أي جهة جزائية.
ولإثبات ماهية الأرش يمكن الاستدلال بتعريف الشيخ الأنصاري وبعض محشّي المكاسب للأرش، إذ عرّفوا الأرش بما يلي: «المال الذي يؤخذ عوضاً عن النقص المضمون في المال أو البدن.»<ref>شیخ انصاری، کتاب المکاسب، ج5، ص391.</ref> وليس في هذا التعريف للأرش أي جهة جزائية.  


ويرى الشيخ محمد حسين الأصفهاني أن هذا التعريف ليس معنى لغويًّا ولا اصطلاحيًّا للكلمة، بل هو «انتزاعي» من مجموع تعابير الفقهاء، ولذلك فهو انعكاس لفهم الفقهاء للأرش. وقد قدّم هو أيضًا تعريفًا مشابهًا للأرش، فكتب: «الأرش في الاصطلاح الشرعي والعرفي هو المال الذي يُجبَر به النقص».<ref>الأصفهاني، حاشية المكاسب، ج5، ص71.</ref>
ويرى الشيخ محمد حسين الأصفهاني أنّ هذا التعريف ليس المعنى اللغوي ولا الاصطلاحي للفظ، بل هو معنى «انتزاعي» من مجموع تعابير الفقهاء، ولذلك فإنّ هذا التعريف انعكاس لفهم الفقهاء للأرش. وقد قدّم هو نفسه تعريفاً مشابهاً للأرش، فكتب: «الأرش في الاصطلاح الشرعي والعرفي هو المال الذي يجبر النقص.»<ref>اصفهانی، حاشیة المکاسب، ج5، ص71.</ref>
وكيفية تقدير مقدار الأرش في كلمات الفقهاء تؤيد هذا المعنى أيضاً؛ لأنّ طريقة عدّ الإنسان عبداً، وهي الطريقة الرائجة بين الفقهاء السابقين،<ref>اردبیلی، مجمع الفائدة والبرهان، ج14، ص137.</ref> تتطابق مع تقدير الخسارة، وطريقة بعض المعاصرين [[السيد أبو القاسم الخوئي]]،<ref>خوئی،‌ مباني تكملة المنهاج، ج42، ص330‌.</ref> وهي التعيين بواسطة الحاكم بعد مشاورة خبيرين عادلين، تتناسب أيضاً مع الخسارة؛ لأنّ المهم في كلتا الطريقتين هو تقدير «مقدار النقص». 


وكيفية تقدير مقدار الأرش في كلمات الفقهاء تؤيد هذا المعنى أيضًا؛ فطريقة فرض المجني عليه عبدًا، وهي الطريقة الشائعة بين الفقهاء المتقدمين،<ref>الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج14، ص137.</ref> منطبقة على تقدير الضرر، وطريقة بعض المعاصرين، ومنهم [[السيد أبو القاسم الخوئي]]،<ref>الخوئي، مباني تكملة المنهاج، ج42، ص330.</ref> وهي التقدير بواسطة الحاكم بعد مشاورة خبيرين عدلين، تتناسب أيضًا مع الضرر؛ لأن المهم في الطريقتين كلتيهما تقدير «مقدار النقص».
وفي إثبات وحدة ماهية الدية والأرش يقال أيضاً إنّ الدية عُدّت في اللغة أحد معاني الأرش،<ref>اسماعیل بن عباد، المحيط فی اللغة، ج2، ص261، مادة «أرش».</ref> وأحياناً تُستعمل لفظة الدية بدل لفظة الأرش. وبعبارة أخرى، فإنّ فهم العرف لهذين التعبيرين قريب إلى حد أنهم يستعملون أحدهما في موضع الآخر أحياناً. وهذا يدل على أنّ فهم العرف لماهية الاثنين واحد، أو على الأقل أنهم يرون الهدف من تشريع هاتين الماهيتين واحداً.


وفي إثبات وحدة ماهية الدية والأرش يقال أيضًا إن من معاني الأرش في اللغة الدية،<ref>إسماعيل بن عباد، المحيط في اللغة، ج2، ص261، مادة «أرش».</ref> وأحيانًا يُستعمل لفظ الدية بدل الأرش. وبعبارة أخرى، فإن فهم العرف لهذين التعبيرين متقارب إلى حد أنهم يستعملون أحدهما مكان الآخر أحيانًا. وهذا يدل على أن فهم العرف لماهيتهما واحد، أو على الأقل أن الهدف من تشريعهما واحد.
وفضلاً عن ذلك، ففي اصطلاح فقهاء أهل السنة تُسمى دية الأعضاء في الأساس أرشاً، سواء كانت مقدّرة أو غير مقدّرة، وهذا أيضاً يدل على فهم موحّد لفقهاء أهل السنة لهذين المفهومين. ويبدو أنّ هذا الاستدلال تام، لكنه لا يثبت إلا على مستوى الموجبة الجزئية أنّ الدية لجبران الخسارة. وبعبارة أخرى، مفاد هذا الدليل والدليل السابق عليه أنّ جبران الخسارة قد لوحظ في الدية «في الجملة».


وفضلًا عن ذلك، ففي اصطلاح فقهاء أهل السنة تُسمّى دية الأعضاء في الأصل أرشًا، سواء كانت مقدَّرة أو غير مقدَّرة، وهذا يدل أيضًا على فهم موحَّد لدى فقهاء أهل السنة لهذين المفهومين. ويبدو أن هذا الاستدلال تام، لكنه لا يثبت إلا بقدر الموجبة الجزئية أن الدية لجبر الضرر. وبعبارة أخرى، مفاد هذا الدليل والدليل السابق أن جبر الضرر ملحوظ في الدية «في الجملة».
===  زيادة الدية بزيادة الخسارة===
دية الأعضاء، وإن كانت تشملها بصورة عامة قاعدة «كل ما في الإنسان منه اثنان ففيه الدية...»، إلا أنها تزداد في بعض الموارد بسبب أهمية العضو والخسارة الأكبر الواقعة على المجني عليه؛ فمثلاً قيل في دية الشفة السفلى إنها أكثر من دية الشفة العليا،<ref>فاضل لنکرانی، تفصیل الشریعه، کتاب الدیات، ص140.</ref> وعُلّل ذلك بكفاءة الشفة السفلى الأكبر.<ref>حر عاملی، وسائل الشیعه، أبواب ديات الأعضاء، الباب 5، ح2. ج29، ص295.</ref> وهذا بدوره لأنّ الشريعة تسعى إلى جبران الخسارة (النقص)، ولذلك تزداد الدية بزيادة الخسارة. وفي الأساس، فإنّ دية الأعضاء قد أسّسها الشارع بقصد جبران الخسارة، ويبدو أنّ العرب لم يكونوا يعرفونها قبل الإسلام.


=== زيادة الدية بزيادة الضرر ===
==نقد الأدلة على كون الدية جبراناً للخسارة وتقييمها==
دية الأعضاء وإن كانت بوجه عام مشمولة بقاعدة «كل ما في الإنسان منه اثنان ففيه الدية...»، إلا أنها في بعض الموارد تزداد لأهمية العضو والضرر الأكبر الذي يقع على المجني عليه؛ فمثلًا قيل في دية الشفة السفلى إنها أكثر من دية الشفة العليا<ref>فاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة، كتاب الديات، ص140.</ref> وذُكر أن علة ذلك كفاءة الشفة السفلى الأكبر.<ref>الحر العاملي، وسائل الشيعة، أبواب ديات الأعضاء، الباب 5، ح2، ج29، ص295.</ref> وهذا بسبب أن الشريعة تسعى إلى جبر الضرر (النقص)، ولذلك تزداد الدية بزيادة الضرر. وقد أسّست الشريعة دية الأعضاء في الأصل بغرض جبر الضرر، ويبدو أن العرب لم يكونوا يعرفونها قبل الإسلام.
بحسب ما ذكره [[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي|الهاشمي الشاهرودي]] فإنّ هذا الدليل قد أُشكل عليه من جهتين:
# أساس هذا الدليل هو تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه، في حين أنّ نفس الإنسان لا ثمن لها، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال، في حين أنّ نفس الإنسان وأعضاءه لا تُعدّ مالاً.<ref>هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص324.</ref>
# قد تُشرّع الدية أو الأرش أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص؛ وبعبارة أخرى، لم تقع خسارة على المجني عليه حتى توضع الدية لجبرانها؛ كموارد التئام كسر العظم دون عيب ولا إشكال،<ref>هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص333.</ref> وكذلك كسر عظم العمود الفقري الذي إذا التأم دون عيب فديته 100 دينار.<ref>خمینی، تحریر الوسیله، ج2، ص581.</ref> ويتبيّن أنّ ماهية الدية كلها ليست جبراناً للخسارة، وأنّ جهات أخرى أيضاً مؤثرة فيها.<ref>هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص340.</ref>


== نقد الأدلة على كون الدية جبرًا للضرر وتقييمها ==
والدليل الثاني والثالث أيضاً، وإن كانا صحيحين في الأصل، إلا أنهما عاجزان عن الإثبات الكامل للنظرية، لأنهما يثبتان على مستوى الموجبة الجزئية فقط أنّ الدية تجبر الخسارة في بعض الموارد، أما كونها وُضعت لمجرد جبران الخسارة فلا يُستفاد من هذه الأدلة.<ref>هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص333.</ref>
بحسب [[السيد محمود الهاشمي الشاهرودي|الهاشمي الشاهرودي]] فإن هذا الدليل أُشكل عليه من جهتين:
# أساس هذا الدليل تقدير ثمن لنفس الإنسان وأعضائه، في حين أن نفس الإنسان لا ثمن لها، لأن الثمن يُتصوَّر حيث يكون هناك مال، في حين أن نفس الإنسان وأعضاءه لا تُعدّ مالًا.<ref>الهاشمي الشاهرودي، قراءات فقهية معاصرة، ج2، ص324.</ref>
# شُرّعت الدية أو الأرش أحيانًا في موارد لا يوجد فيها عيب أو نقص أصلًا؛ وبعبارة أخرى، لم يقع ضرر على المجني عليه حتى توضع الدية لجبره؛ كالموارد التي يبرأ فيها كسر العظم بلا عيب ولا إشكال<ref>الهاشمي الشاهرودي، قراءات فقهية معاصرة، ج2، ص333.</ref> وكذلك كسر عظم الصلب (العمود الفقري) الذي إذا برئ بلا عيب فديته مئة دينار.<ref>الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، ص581.</ref> فيتضح أن ماهية الدية ليست جبر الضرر بالكامل، بل تدخل فيها جهات أخرى.<ref>الهاشمي الشاهرودي، قراءات فقهية معاصرة، ج2، ص340.</ref>


والدليلان الثاني والثالث أيضًا، وإن كانا صحيحين في الأصل، عاجزان عن إثبات النظرية بالكامل، لأنهما يثبتان بنحو الموجبة الجزئية فقط أن الدية تجبر الضرر في بعض الموارد، أما كونها وُضعت لجبر الضرر فحسب فلا يُستفاد من هذه الأدلة.<ref>الهاشمي الشاهرودي، قراءات فقهية معاصرة، ج2، ص333.</ref>
==الهوامش==
{{مراجع}}


== الهوامش ==
==المصادر==
{{مراجع}}
{{مصادر}}
== المصادر ==
* احمد ادریس، عوض، الدیه (الدية)، ترجمة الدكتور علي رضا فيض، طهران، منظمة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1372ش، الطبعة الأولى.  
* أحمد إدريس، عوض، الدية، ترجمة الدكتور علي رضا فيض (إلى الفارسية)، طهران، منظمة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1372هـ.ش، الأولى.
* اردبیلی، احمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1403ق، الطبعة الأولى‌.
* الأردبيلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية في قم، 1403هـ، الأولى.
* اصفهانی، محمدحسین، حاشية كتاب المكاسب، قم، أنوار الهدى‌، 1418ق، الطبعة الأولى‌.  
* الأصفهاني، محمد حسين، حاشية كتاب المكاسب، قم، أنوار الهدى، 1418هـ، الأولى.
* حر عاملی، محمد بن حسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام‌، 1409ق، الطبعة الأولى‌.  
* الأنصاري، الشيخ مرتضى، كتاب المكاسب، قم، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري، 1415هـ، الأولى.
* خمینی(امام)، سید روح‌الله، تحرير الوسيلة، قم، مؤسسة مطبوعات دار العلم‌، دون تاريخ، الطبعة الأولى‌.  
* الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1409هـ، الأولى.
* شیخ انصاری، مرتضی، کتاب المکاسب، قم، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري،‌ 1415ق، الطبعة الأولى‌.  
* الخميني (الإمام)، السيد روح الله، تحرير الوسيلة، قم، مؤسسة مطبوعات دار العلم، د.ت، الأولى.
* صانعی، یوسف، منتخب الاحکام، قم، ميثم تمار، 1382ش، الطبعة الخامسة.  
* الصانعي، يوسف، منتخب الأحكام، قم، ميثم التمار، 1382هـ.ش، الخامسة.
* فاضل لنکرانی، محمد، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة: الدیات، قم، مركز فقه الأئمة الأطهار عليهم السلام، 1418ق، الطبعة الأولى‌.
* فاضل اللنكراني، محمد، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة: الديات، قم، مركز فقه الأئمة الأطهار (ع)، 1418هـ، الأولى.
* گرجی، ابوالقاسم، دیات (الديات)، طهران، مؤسسة منشورات جامعة طهران وطباعتها، ربيع 1380ش، الطبعة الأولى.  
* گرجي، أبو القاسم، الديات، طهران، مؤسسة نشر وطباعة جامعة طهران، ربيع 1380هـ.ش، الأولى.
* مرعشى، سيد محمدحسن،‌ دیدگاه‌های نو در حقوق (رؤى جديدة في القانون)، طهران، نشر ميزان‌، 1427ق، الطبعة الثانية‌.  
* المرعشي، السيد محمد حسن، وجهات نظر جديدة في الحقوق، طهران، نشر ميزان، 1427هـ، الثانية.
* منتظری، حسینعلی، مجازات‌هاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش‌، 1429ق، الطبعة الأولى.  
* منتظري، حسين علي، العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان، قم، أرغوان دانش، 1429هـ، الأولى.
* میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، خريف 1373ش، الطبعة الأولى.  
* ميرسعيدي، السيد منصور، الماهية الحقوقية للديات، طهران، نشر ميزان، خريف 1373هـ.ش، الأولى.
* هاشمی شاهرودی، سید محمود، قراءات فقهیة معاصره (مقاله مقدار ما یضمنه الجانی من الخسائر)، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام،‌ 1423ق.
* الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود، قراءات فقهية معاصرة (مقالة مقدار ما يضمنه الجاني من الخسائر)، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت (ع)، 1423هـ.


[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[en:Theory of Diya as a Financial Compensation]]
[[en:Theory of Diya as a Financial Compensation]]
[[fa:نظریه جبران خسارت بودن دیه]]
[[fa:نظریه جبران خسارت بودن دیه]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٢٠:١٦، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦

مؤلف: علي شريفي



  • الملخص

الدية بوصفها جبراناً للخسارة (في مقابل العقوبة وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه. ويُعدّ تبيين ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة الاتجاه الغالب بين الفقهاء والباحثين المتأخرين؛ ومنهم يوسف الصانعي بالتصريح، وحسين علي المنتظري مع شيء من التأمل، وكذلك أبو القاسم گرجي.

وقد ذُكرت أدلة لإثبات ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة؛ منها أنّ للدية وظيفة جبرانية، لأنه في القتل الخطأ والقتل شبه العمد، بل وحتى في الجراحة، تقع خسارة بدنية على المصاب، والدية في هذه الموارد لجبران هذه الخسارة. والدليل الآخر أنّ الدية قد وردت في الروايات في مقابل الأرش، والأرش ناظر إلى جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، وبذلك يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.

ومع ذلك فقد وردت انتقادات على الأدلة المتقدمة؛ منها أنّ تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه غير صحيح، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال لا إنسان. وأما بشأن دليل الأرش فقد قيل إنّ الدية أو الأرش قد شُرّعا أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص، وبذلك لم تقع خسارة حتى تُعدّ الدية جبراناً للخسارة.

الأهمية والمكانة

يُعدّ عدّ الدية أداةً لجبران الخسارة أحد الأجوبة التي بيّنها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ ومنها الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. وفي المقابل، يُعدّ كون الدية عقوبة، والرأي التلفيقي، وعدّها بدل التراضي، نظريات منافسة.

توضيح النظرية

الاتجاه الغالب بين المفكرين المتأخرين هو أنّ الدية ذات ماهية جبرانية للخسارة البدنية. ومن اختار هذا الرأي يمكن الإشارة إلى أبي القاسم گرجي،[١] والسيد محمد حسن مرعشي،[٢] والسيد منصور ميرسعيدي،[٣] ومن بين مفكري أهل السنة إلى عوض أحمد إدريس.[٤] ومن بين مراجع التقليد المعاصرين يميل يوسف الصانعي بالتصريح[٥] وحسين علي المنتظري مع شيء من التأمل[٦] إلى هذا الرأي.

أدلة رأي الخسارة

تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأدلة التي قُدّمت دفاعاً عن هذا الرأي لا تثبت مباشرةً كون الدية خسارة، بل تثبت فقط أنها ليست عقوبة، وهذا الصنف من الأدلة لن يُطرح هنا.

كون الدية ذات وظيفة جبرانية

في موارد وجوب الدية، سواء كان متعلقها القتل (القتل الخطأ، وشبه العمد، والعمد الذي لا قصاص فيه، والعمد الذي لا يمكن فيه تنفيذ القصاص) أو الجراحة، فمن المسلّم أنّ خسارة بدنية قد وقعت على الشخص المصاب؛ وبما أنّ الشريعة الإسلامية لم تقرّر طريقاً آخر غير الدية لجبران هذه الخسارة، يتبيّن أنّ الدية قد شُرّعت لجبران هذه الخسارة؛ لأنّ احتمال أن لا يكون قد شُرّع شيء لهذه الخسائر لا ينسجم مع عدالة الشريعة ولا مع قواعد مثل «قاعدة الطلّ».

وحدة سياق الدية والأرش

في الروايات[٧] وردت الدية في مقابل الأرش، وبما أنّ ماهية الأرش هي جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، فبقرينة المقابلة يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.

ولإثبات ماهية الأرش يمكن الاستدلال بتعريف الشيخ الأنصاري وبعض محشّي المكاسب للأرش، إذ عرّفوا الأرش بما يلي: «المال الذي يؤخذ عوضاً عن النقص المضمون في المال أو البدن.»[٨] وليس في هذا التعريف للأرش أي جهة جزائية.

ويرى الشيخ محمد حسين الأصفهاني أنّ هذا التعريف ليس المعنى اللغوي ولا الاصطلاحي للفظ، بل هو معنى «انتزاعي» من مجموع تعابير الفقهاء، ولذلك فإنّ هذا التعريف انعكاس لفهم الفقهاء للأرش. وقد قدّم هو نفسه تعريفاً مشابهاً للأرش، فكتب: «الأرش في الاصطلاح الشرعي والعرفي هو المال الذي يجبر النقص.»[٩]

وكيفية تقدير مقدار الأرش في كلمات الفقهاء تؤيد هذا المعنى أيضاً؛ لأنّ طريقة عدّ الإنسان عبداً، وهي الطريقة الرائجة بين الفقهاء السابقين،[١٠] تتطابق مع تقدير الخسارة، وطريقة بعض المعاصرين السيد أبو القاسم الخوئي،[١١] وهي التعيين بواسطة الحاكم بعد مشاورة خبيرين عادلين، تتناسب أيضاً مع الخسارة؛ لأنّ المهم في كلتا الطريقتين هو تقدير «مقدار النقص».

وفي إثبات وحدة ماهية الدية والأرش يقال أيضاً إنّ الدية عُدّت في اللغة أحد معاني الأرش،[١٢] وأحياناً تُستعمل لفظة الدية بدل لفظة الأرش. وبعبارة أخرى، فإنّ فهم العرف لهذين التعبيرين قريب إلى حد أنهم يستعملون أحدهما في موضع الآخر أحياناً. وهذا يدل على أنّ فهم العرف لماهية الاثنين واحد، أو على الأقل أنهم يرون الهدف من تشريع هاتين الماهيتين واحداً.

وفضلاً عن ذلك، ففي اصطلاح فقهاء أهل السنة تُسمى دية الأعضاء في الأساس أرشاً، سواء كانت مقدّرة أو غير مقدّرة، وهذا أيضاً يدل على فهم موحّد لفقهاء أهل السنة لهذين المفهومين. ويبدو أنّ هذا الاستدلال تام، لكنه لا يثبت إلا على مستوى الموجبة الجزئية أنّ الدية لجبران الخسارة. وبعبارة أخرى، مفاد هذا الدليل والدليل السابق عليه أنّ جبران الخسارة قد لوحظ في الدية «في الجملة».

زيادة الدية بزيادة الخسارة

دية الأعضاء، وإن كانت تشملها بصورة عامة قاعدة «كل ما في الإنسان منه اثنان ففيه الدية...»، إلا أنها تزداد في بعض الموارد بسبب أهمية العضو والخسارة الأكبر الواقعة على المجني عليه؛ فمثلاً قيل في دية الشفة السفلى إنها أكثر من دية الشفة العليا،[١٣] وعُلّل ذلك بكفاءة الشفة السفلى الأكبر.[١٤] وهذا بدوره لأنّ الشريعة تسعى إلى جبران الخسارة (النقص)، ولذلك تزداد الدية بزيادة الخسارة. وفي الأساس، فإنّ دية الأعضاء قد أسّسها الشارع بقصد جبران الخسارة، ويبدو أنّ العرب لم يكونوا يعرفونها قبل الإسلام.

نقد الأدلة على كون الدية جبراناً للخسارة وتقييمها

بحسب ما ذكره الهاشمي الشاهرودي فإنّ هذا الدليل قد أُشكل عليه من جهتين:

  1. أساس هذا الدليل هو تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه، في حين أنّ نفس الإنسان لا ثمن لها، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال، في حين أنّ نفس الإنسان وأعضاءه لا تُعدّ مالاً.[١٥]
  2. قد تُشرّع الدية أو الأرش أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص؛ وبعبارة أخرى، لم تقع خسارة على المجني عليه حتى توضع الدية لجبرانها؛ كموارد التئام كسر العظم دون عيب ولا إشكال،[١٦] وكذلك كسر عظم العمود الفقري الذي إذا التأم دون عيب فديته 100 دينار.[١٧] ويتبيّن أنّ ماهية الدية كلها ليست جبراناً للخسارة، وأنّ جهات أخرى أيضاً مؤثرة فيها.[١٨]

والدليل الثاني والثالث أيضاً، وإن كانا صحيحين في الأصل، إلا أنهما عاجزان عن الإثبات الكامل للنظرية، لأنهما يثبتان على مستوى الموجبة الجزئية فقط أنّ الدية تجبر الخسارة في بعض الموارد، أما كونها وُضعت لمجرد جبران الخسارة فلا يُستفاد من هذه الأدلة.[١٩]

الهوامش

  1. ↑ گرجی، دیات، ص51.
  2. ↑ مرعشی، دیدگاه‌های نو در حقوق، ج2، ص45.
  3. ↑ میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص92.
  4. ↑ احمد ادریس، الدیه، ص348.
  5. ↑ صانعی، منتخب الاحکام، ص334.
  6. ↑ منتظری، مجازات‌های اسلامی و حقوق بشر، ص36-38.
  7. ↑ نگاه کنید به: حر عاملی، وسایل الشیعه، ج29، ص177، باب 14 من أبواب قصاص النفس؛ ص327، باب 24 من أبواب ديات الأعضاء، ح3.
  8. ↑ شیخ انصاری، کتاب المکاسب، ج5، ص391.
  9. ↑ اصفهانی، حاشیة المکاسب، ج5، ص71.
  10. ↑ اردبیلی، مجمع الفائدة والبرهان، ج14، ص137.
  11. ↑ خوئی،‌ مباني تكملة المنهاج، ج42، ص330‌.
  12. ↑ اسماعیل بن عباد، المحيط فی اللغة، ج2، ص261، مادة «أرش».
  13. ↑ فاضل لنکرانی، تفصیل الشریعه، کتاب الدیات، ص140.
  14. ↑ حر عاملی، وسائل الشیعه، أبواب ديات الأعضاء، الباب 5، ح2. ج29، ص295.
  15. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص324.
  16. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص333.
  17. ↑ خمینی، تحریر الوسیله، ج2، ص581.
  18. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص340.
  19. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص333.

المصادر

  • احمد ادریس، عوض، الدیه (الدية)، ترجمة الدكتور علي رضا فيض، طهران، منظمة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1372ش، الطبعة الأولى.
  • اردبیلی، احمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1403ق، الطبعة الأولى‌.
  • اصفهانی، محمدحسین، حاشية كتاب المكاسب، قم، أنوار الهدى‌، 1418ق، الطبعة الأولى‌.
  • حر عاملی، محمد بن حسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام‌، 1409ق، الطبعة الأولى‌.
  • خمینی(امام)، سید روح‌الله، تحرير الوسيلة، قم، مؤسسة مطبوعات دار العلم‌، دون تاريخ، الطبعة الأولى‌.
  • شیخ انصاری، مرتضی، کتاب المکاسب، قم، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري،‌ 1415ق، الطبعة الأولى‌.
  • صانعی، یوسف، منتخب الاحکام، قم، ميثم تمار، 1382ش، الطبعة الخامسة.
  • فاضل لنکرانی، محمد، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة: الدیات، قم، مركز فقه الأئمة الأطهار عليهم السلام، 1418ق، الطبعة الأولى‌.
  • گرجی، ابوالقاسم، دیات (الديات)، طهران، مؤسسة منشورات جامعة طهران وطباعتها، ربيع 1380ش، الطبعة الأولى.
  • مرعشى، سيد محمدحسن،‌ دیدگاه‌های نو در حقوق (رؤى جديدة في القانون)، طهران، نشر ميزان‌، 1427ق، الطبعة الثانية‌.
  • منتظری، حسینعلی، مجازات‌هاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش‌، 1429ق، الطبعة الأولى.
  • میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، خريف 1373ش، الطبعة الأولى.
  • هاشمی شاهرودی، سید محمود، قراءات فقهیة معاصره (مقاله مقدار ما یضمنه الجانی من الخسائر)، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام،‌ 1423ق.