انتقل إلى المحتوى

الدية بوصفها بدل تراضٍ: الفرق بين النسختين

من موسوعة الفقه المعاصر
أنشأ الصفحة ب'{{مؤلف |مؤلف = علي شريفي |مؤلف2 = |مؤلف3 = |إعداد = |محرر1 = |محرر2 = |محرر3 = }} * '''الملخص''' '''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل العقوبة وجبر الضرر والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لماهية الدية في الفقه،...'
 
لا ملخص تعديل
 
(٢ مراجعات متوسطة بواسطة نفس المستخدم غير معروضة)
سطر ١: سطر ١:
{{مؤلف
{{مؤلف
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف = علي شريفي
|مؤلف2 =
|مؤلف3 =
|إعداد =
|محرر1 =
|محرر2 =
|محرر3 =
}}
}}


* '''الملخص'''
* '''الملخص'''


'''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية كون الدية جبرًا للضرر|جبر الضرر]] والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليها تكون الدية أداةً لكسب رضا المجني عليه أو أولياء الدم.
'''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية كون الدية جبراناً للخسارة|جبران الخسارة]] والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليها تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم.


وقد استُدل لإثبات كون الدية بدل تراضٍ بـ[[الآية 92 من سورة النساء]] التي فُرّق فيها بين دية الأعداء ودية «القوم المعاهَدين»، فإذا كان المقتول المؤمن من قوم أعداء فلا دية، أما إذا كان من قوم معاهَدين فالدية واجبة. وبذلك قيل إن الدية في الأصل لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبتت عداوتهم ونزاعهم مع المسلمين فإن جعل الدية يكون بلا جدوى. وإضافةً إلى الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضًا إلى تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية.
وقد استُدلّ على كون الدية بدل تراضٍ بـ[[الآية 92 من سورة النساء]] التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، فإن كان المقتول المؤمن من قوم أعداء فلا تجب الدية، وأما إن كان من قوم معاهَدين فتجب الدية. وبذلك قيل إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإنّ الدم المسفوك إذا كان لقوم ثبتت عداوتهم ونزاعهم مع المسلمين، كان جعل الدية بلا جدوى. وإضافةً إلى الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية.


وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أن الحاكم الإسلامي يستطيع أن يعرّف جميع الأضرار الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، وأن عدم المساواة في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، يصبح مقبولًا بوضوح على أساس هذا التفسير.
وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً على نحو جيد.


== الأهمية والمكانة ==
==الأهمية والمكانة==
اعتبار الدية أداةً لكسب الرضا أحد المواقف التي أبداها الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية حقوقي أكثر مما هو فقهي، لكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة حول الدية لا يمكن الإجابة عنها، أو يصعب ذلك، إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها؛ ومنها: الأضرار الزائدة على الدية، ونفقات العجز عن العمل، وعدم المساواة بين دية المرأة والرجل، وعدم المساواة بين دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان وأمثال ذلك، مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد ماهية الدية يتمكن الفقهاء من إعادة النظر في هذه الأحكام.
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فإن إمكان الجواب عنها إما معدوم أو عسير؛ ومن تلك المسائل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام.  


وحصيلة المحاولات التي بُذلت حتى الآن في تبيين ماهية الدية، إلى جانب نظرية بدل التراضي، ثلاثة آراء أخرى هي: كون الدية عقوبة، وكونها ضررًا مدنيًّا، والرأي التلفيقي.<ref>يُلاحظ في بعض الكلمات رأي رابع يمكن تسميته بالرأي التفكيكي. وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تعويضًا عن الضرر، ولكن لعدم استناده إلى سند استدلالي متين يُمتنع عن ذكره.</ref>
وحصيلة المساعي التي بُذلت حتى الآن في تبيين ماهية الدية، فيما عدا نظرية بدل التراضي، ثلاثة آراء أخرى هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.<ref>ويُلاحظ في بعض الكلمات رأي رابع أيضاً يمكن التعبير عنه بالرأي التفكيكي. وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأميناً للخسارة، ولكن لعدم استنادها إلى سند استدلالي محكم يُمتنع عن ذكرها.</ref>  


=== تبيين الرأي ===
===تبيين الرأي===
تدّعي نظرية بدل التراضي أن للدية ماهية خاصة بها، وهي في الواقع مبلغ مالي يُدفع لكسب رضا المجني عليه أو أولياء الدم لاحتواء النزاع الناشئ عن الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أن للدية ماهية مستقلة وفريدة، فهي ليست عقوبة ولا ضررًا مدنيًّا ولا مزيجًا منهما. ويكتب محمد تقي بهجت في جواب السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون من حيث المورد أشبه بأحدهما».<ref>بهجت، استفتاءات، ج4، ص487.</ref>
تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ للدية ماهية منحصرة بها، وأنها في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم، من أجل احتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة منفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً بينهما. ويكتب محمد تقي بهجت في جوابه عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أقرب شبهاً بأحدهما.»<ref>بهجت، استفتائات، ج4، ص487.</ref>


وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبر الضرر موجودًا في الدية، فإنه يحتل لدى الشارع أهمية من الدرجة الثانية. والأهم في المقام الأول هو «كسب الرضا» للمجني عليه أو أولياء الدم ومنع النزاع الذي ينشأ عن الأذى البدني.
وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، فإنه عند الشارع ذو أهمية من الدرجة الثانية. وما هو مهم في المقام الأول هو «جلب الرضا» للمجني عليه أو أولياء الدم، ومنع النزاع الذي ينشأ نتيجة الأذى البدني.  
ومن بين أهل السنة يميل إلى هذا الرأي علي أحمد راشد،<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.</ref> ورضوان شافعي المتعافي،<ref>احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.</ref> ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي الرأي المشهور بين الحقوقيين في مصر، ويكتب:
«الدية ناظرة فقط إلى إطفاء الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وبناءً على ذلك فقد وُضعت الدية لهذا السبب لكي تؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حدٍّ ما.»<ref>فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.</ref>


ومن أهل السنة يميل إلى هذا الرأي علي أحمد راشد،<ref>أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، ص23، نقلًا عن: «القانون الجنائي الإسلامي»، ص39.</ref> ورضوان شافعي المتعافي،<ref>أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، ص38، نقلًا عن: الجنايات المتحدة في القانون والشريعة، ص198.</ref> ويرى أحمد فتحي بهنسي أن هذا الرأي هو المشهور بين حقوقيي مصر، ويكتب:
وما يميّز هذا الرأي عن سائر الآراء، ولا سيما الرأي الثاني، هو الاتكاء على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولذلك فهو لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة.  
«الدية ناظرة فقط إلى إطفاء الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. ولذلك شُرعت الدية لتحقيق قدر من إرضاء المجني عليه.»<ref>فتحي بهنسي، الدية في الشريعة الإسلامية، ص12.</ref>


وما يميّز هذا الرأي عن سائر الآراء، لا سيما الرأي الثاني، هو الاعتماد على عنصر كسب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعًا من المصالحة، ومن الواضح أن المصالحة ليست عقوبة؛ ولذلك لا ينطبق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة.
ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران كامل للخسارة، ولذلك يستطيع هذا الرأي أن يبرّر على نحو جيد عدم تساوي الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وتبرز هذه الخاصية على وجه الخصوص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الناتجة عن القتل ليس ميسوراً، ولذلك تعدّ بعض الدول اليوم القتل جناية محضة، ولا تعدّ القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كنفقات التكفين والدفن ونقص الدخل الناتج عن فقدان الشخص، ولذا لا تقرّر مالاً لجبرانه.<ref>فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.</ref>


ومن جهة أخرى، فإن المصالحة لا ترافقها دائمًا تعويضات كاملة عن الضرر، ولذلك تستطيع هذه النظرية أن تبرّر بوضوح عدم تساوي الدية مع الأضرار الواقعة على المجني عليه. وهذه الخاصية بارزة بوجه خاص في حالات القتل؛ لأن تقدير مقدار الضرر الناتج عن القتل ليس ممكنًا بسهولة، ولذلك تعتبر بعض الدول اليوم القتل جناية محضة، ولا تعدّ القتل ضررًا إلا من حيث الأضرار الجانبية كنفقات التكفين والدفن ونقص الدخل الناتج عن فقدان الشخص، ولذلك لا تخصص مالًا لتعويضه.<ref>فرداد، «القتل العمد في القانون الجنائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجنائي الفرنسي والإيطالي»، ص349.</ref>
==نتائج الرأي==
فهم ماهية الدية أشبه باكتشاف علة الحكم، التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات المجتمع في ذلك اليوم، ولا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها كذلك ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه يمكن، بتغيّر الظروف، إحلال آلية جديدة محلها.<ref>وقد دُرس هذا الرأي بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهل‌بیت و فقه احناف».</ref> ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة».


== نتائج الرأي ==
===الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي===
فهم ماهية الدية شبيه باكتشاف علة الحكم، وقد قيل إنه يمكن على أساسه توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين لا تُعدّ الدية حكمًا شرعيًّا دائمًا، بل حكمًا موقفيًّا ناظرًا إلى حل مشكلات المجتمع في ذلك اليوم، لا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها أيضًا ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك العصر. ولذلك يمكن، مع تغيّر الظروف، إحلال آلية جديدة محلها.<ref>جرى بحث هذا الرأي بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع الدية ومقدارها من منظور فقه أهل البيت والفقه الحنفي».</ref> ويمكن لهذه الآلية أن تحل محل نظام «تقدير الضرر».
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي:  
 
* يمكن للحاكم الإسلامي، بحسب ما يراه، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعسر تحصيلها.  
=== الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي ===
* يُبرَّر التفاوت في الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لا يظهر فيها وقوع خسارة على الشخص-.
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو التالي:
* يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل إلى أساليب أخرى، وأن يجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة.  
* يستطيع الحاكم الإسلامي، وفق ما يراه، أن يعرّف جميع الأضرار الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. ولا تتحقق هذه النتيجة على أساس سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يصعب تحققها.
* يمكن فهم التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، وتحليله على نحو جيد.
* يُبرَّر عدم تساوي الدية في الموارد المختلفة، ومنها الموارد التي لا يبدو فيها أن ضررًا لحق بالشخص.
* تصبح مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، إذ لن تكون لأي من الأصناف المذكورة حينئذٍ خصوصية.  
* يستطيع الحاكم الإسلامي أن يجفف أصل النزاع بوسائل أخرى، ويجعل الدية لمجرد تأمين الضرر.
* لن تكون طريقة حساب الأرش بعد ذلك مشكلة للقضاة والأطباء، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش.
* يمكن فهم عدم تساوي الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، وتحليله بوضوح.
* تُحل مشكلة الأصناف الستة للدية حلًّا تامًّا، لأنه لن يكون لأي من الأصناف المذكورة خصوصية في هذه الحالة.
* لن تكون طريقة حساب الأرش مشكلة للقضاة والأطباء بعد ذلك، بل يمكن بسهولة استبدال الأرش بتقدير الضرر.


== الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء ==
== الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء ==
[[الآية 92 من سورة النساء]] هي الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وتُعدّ أصل جميع الروايات. ولذلك يمكن أن تكون أفضل طريق لاكتشاف ماهية الدية. وهذه الآية بعد بيان حكم حرمة القتل والتمييز بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، فرّقت في الفقرة الأخيرة في وجوب دفع الدية بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد»:<ref>«فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»</ref> بمعنى أنه إذا كان المقتول المؤمن من قوم يُعدّون أعداءً لكم فلا دية، أما إذا كان من قوم لكم معهم عهد فالدية واجبة.
تُعدّ [[الآية 92 من سورة النساء]] الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه يمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في فقرتها الأخيرة بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد» في وجوب دفع الدية<ref>«فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»</ref>؛ بمعنى أنّ المقتول المؤمن إذا كان من قوم يُعدّون أعداء لكم فلا تجب الدية، وأما إذا كان من قوم لكم معهم عهد فتجب الدية.  


ومع ذلك، رفع بعض الفقهاء كابن إدريس اليد عن ظاهر الآية وأوجبوا الدية.<ref>الحلي، السرائر، ج3، ص320.</ref> واستثنى بعض الفقهاء فقط فرض أن يُقتل مؤمن في دار الحرب بظن أنه كافر من الحكم الكلي لوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً. وإن كان بعضهم، كصاحب الجواهر<ref>النجفي، جواهر الكلام، ج43، ص410.</ref> وصاحب المدارك،<ref>الخوانساري، جامع المدارك، ج6، ص296.</ref> لا يقبلون حتى هذا الاستثناء.
ومع ذلك، فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وأوجبوا الدية.<ref>حلی، السرائر، ج3، ص320.</ref> واستثنى بعض الفقهاء أيضاً من الحكم الكلي لوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً فرضَ أن يُقتل مؤمن في دار الحرب ظناً بأنه كافر. وإن كان بعضهم، كصاحب الجواهر<ref>نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.</ref> وصاحب المدارك،<ref>خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.</ref> لا يقبلون حتى هذا الاستثناء.  


=== المقصود بالقوم ===
===المراد بالقوم===
اتفق المفسرون والفقهاء على أن المقصود بـ«القوم» في الآية غير المسلمين، لكنهم اختلفوا في المقصود بالمسلم. فيراه بعضهم مسلمًا في صف المشركين يقاتل المسلمين فيُقتل،<ref>فاضل الكاظمي، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref> ويراه بعضهم مسلمًا ينتمي إلى قوم كافر، لكن هذا الشخص المقتول أسلم استثناءً. وينسب صاحب مسالك الأفهام هذا القول إلى الشيخ الطوسي.<ref>فاضل الكاظمي، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref>
اتفق المفسرون والفقهاء على أنّ المراد بـ«القوم» في الآية غير المسلمين، لكنهم اختلفوا في المراد بالمسلم. فيراه بعضهم مسلماً يقف في صف المشركين في حرب مع المسلمين، فيُقتل نتيجة ذلك،<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref> ويراه بعضهم مسلماً ينتمي إلى قوم كافر، لكنّ هذا الشخص المقتول قد أسلم استثناءً. وينسب صاحب مسالك الأفهام هذا القول إلى الشيخ الطوسي.<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref>


والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول وظاهر الآية، وفي أسباب النزول المنقولة للآية لا يوجد فرض الحضور في صف المشركين للقتال؛ لأن الآية إما في شأن عياش بن أبي ربيعة المخزومي الذي قتل الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري ظنًّا منه أنه كافر، أو في شأن أبي الدرداء الذي هاجم في سرية رجلًا صاحب غنم ولم يعتدّ بقوله «لا إله إلا الله» فقتله.<ref>الطوسي، التبيان، ج3، ص291.</ref> ومن جهة أخرى لا ينسجم هذا الاحتمال مع ظاهر الآية أيضًا، لأن الآية في القوم المعاهَد الذي لا يكون طبعًا في حرب مع المسلمين؛ وفضلًا عن ذلك لا ينبغي أن تكون هناك كفارة في هذه الحالة، أما الاحتمال الثاني فينسجم مع ظاهر الآية.
والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول ولا مع ظاهر الآية، ففي أسباب النزول المنقولة للآية لا يوجد فرض الحضور في صف المشركين للقتال؛ لأنّ الآية إما نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي الذي قتل الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري ظناً منه أنه كافر، أو في أبي الدرداء الذي هاجم في سرية رجلاً صاحب غنم، ولم يلتفت إلى قوله «لا إله إلا الله» وقتله.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref> ومن جهة أخرى، فإنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع ظاهر الآية أيضاً، لأنّ الآية في شأن القوم المعاهَد الذين هم بطبيعة الحال ليسوا في حرب مع المسلمين؛ هذا فضلاً عن أنه في هذه الصورة لا ينبغي أن توجد الكفارة أيضاً، أما الاحتمال الثاني فينسجم مع ظاهر الآية.


=== لماذا لا تجب الدية للمؤمن الذي هو من قوم عدو؟ ===
===لماذا لا تتعلق الدية بالمؤمن الذي هو من قوم عدو؟===
السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو: مع أن القاعدة العامة في قتل المؤمن خطأً وجوب الدية، فلماذا لا دية للمؤمن الذي هو من قوم عدو، ولماذا خصّص كثير من الفقهاء إطلاقات الروايات بالآية القرآنية وأخرجوا هذا المورد من وجوب دفع الدية؟<ref>فاضل الكاظمي، مسالك الأفهام، ج4، ص229.</ref>
السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو أنه مع كون القاعدة العامة في قتل المؤمن خطأً وجوبَ الدية، فلماذا لا دية للمؤمن الذي هو من قوم عدو، ولماذا خصّص كثير من الفقهاء إطلاقات الروايات بآية القرآن وأخرجوا هذا المورد من وجوب دفع الدية؟<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص229.</ref>


وهذه الفئة من الفقهاء اختلفت في علة عدم وجوب الدية؛ فقال بعضهم: لأن قوم هذا الشخص كفار، والكافر لا يرث من المسلم، والدية تُورَث، فلا ينبغي دفع الدية.<ref>الطوسي، التبيان، ج3، ص291.</ref> وقيل في نقد هذا التحليل: لو كان كذلك لوجب ذكر قيد في الآية بمضمون «إلا أن يكون له وارث مسلم». فسبب عدم دفع الدية إذن هو أنه بسبب العداوة بين المسلمين وذلك القوم لا يمكن الفحص عن ورثته لتسليم الدية إليهم.<ref>الطوسي، التبيان، ج3، ص291.</ref>
وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في سبب عدم وجوب الدية؛ فقال بعضهم: لأنّ قوم هذا الشخص كفار، والكافر لا يرث من المسلم، والدية تورَّث أيضاً، فلا ينبغي أن تُدفع الدية.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref> وقيل في نقد هذا التحليل: لو كان الأمر كذلك لوجب أن يُذكر في الآية قيد بهذا المضمون: «إلا أن يكون له وارث مسلم». وعليه فإنّ سبب عدم دفع الدية هو أنه بسبب العداوة والخصومة بين المسلمين وذلك القوم لا يمكن التحقق من ورثته لتُسلَّم الدية إليهم.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref>


وقال آخرون: إن عيش مسلم في دار الحرب بين أعداء الإسلام يعني الإقدام على إهدار دمه، ولذلك لا دية له.<ref>التبريزي، تنقيح مباني الأحكام، كتاب الديات، ص342.</ref>
وقال آخرون: إنّ عيش المسلم في دار الحرب وبين أعداء الإسلام يعني إقدامه على إهدار دم نفسه، ولذلك فلا دية له.<ref>تبریزی، تنقيح مباني الأحكام، كتاب الديات، ص342.</ref>


=== التبيين على أساس رفع النزاع ===
===التبيين على أساس رفع النزاع===
لم يُذكر دليل لأي من التوجيهات المذكورة ذيل الآية، ولكن هذه الآراء نفسها تبيّن أن وجود العداوة كان مؤثرًا في نفي الدية الذي بيّنه القرآن. ولذلك يمكن توضيح الآية بأن الدية في الأصل لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبت نزاعهم وعداوتهم مع المسلمين فإن جعل الدية لا ثمرة له. ويكتب [[حسين علي منتظري]]:
لم يُذكر دليل على أيٍّ من التوجيهات المذكورة في ذيل الآية، ولكن هذه الآراء نفسها تدل على أنّ لوجود العداوة والخصومة تأثيراً في نفي الدية الذي بيّنه القرآن. وعليه يمكن توضيح الآية على هذا النحو: إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبتت عداوتهم وخصومتهم مع المسلمين، فلن يكون لجعل الدية ثمرة. ويكتب [[حسين علي المنتظري]]:
«وإن كان وضع الدية على نحو لجبر الضرر الواقع... فالمؤمن الذي قُتل خطأً وليس لأقاربه عداوة مع المسلمين له دية، أما المؤمن الذي قُتل بالنحو نفسه وأقاربه من أعداء المسلمين فلا دية له؛ مع أن كليهما إنسان مؤمن.»<ref>منتظري، العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان، ص57.</ref> وبالإضافة إلى أن منتظري يعدّ مجرد وجود العداوة سببًا لسقوط الدية، فإنه يعبّر عن كلمة «قوم» بـ«أقارب» المقتول. وهذا التعبير موافق لظاهر القرآن ويمنع من اختصاصه بالكفار الحربيين، وإن كان بعض المفسرين يعتقدون أن تعبير «من قوم» ناظر إلى محل السكن، لا إلى المنشأ الأسري والقبلي الذي ينتمي إليه المقتول.<ref>جوادي آملي، تفسير تسنيم، ج20، ص137-138.</ref>
«وإن كان وضع الدية بنحو ما لجبران الخسارة الواقعة، إلا أنّ... المؤمن الذي قُتل خطأً ولم تكن لأقاربه عداوة مع المسلمين له دية، أما المؤمن الذي قُتل على النحو نفسه لكن أقاربه من أعداء المسلمين فلا دية له؛ مع أنّ كليهما إنسان مؤمن.»<ref>منتظری، مجازات‌های اسلامی و حقوق بشر، ص57.</ref> ويرى المنتظري، إضافةً إلى أنّ مجرد وجود العداوة سبب لسقوط الدية، أنّ كلمة «القوم» تُعبَّر عنها بـ«الأقارب» للمقتول. وهذا التعبير موافق لظاهر القرآن ويمنع من اختصاصه بالكفار الحربيين، وإن كان بعض المفسرين يعتقدون أنّ تعبير «من قوم» ناظر إلى محل السكن، لا إلى المنشأ الأسري والقبلي الذي ينتمي إليه المقتول.<ref>جوادی آملی، تفسیر تسنیم، ج20، ص137-138.</ref>


=== تنكير كلمة الدية ===
===تنكير كلمة الدية===
استفاد بعض المؤلفين من تنكير «دية» في هذه الآية أيضًا أن ماهية الدية بدل رضا؛ لأن الله تعالى قال إنه تُدفع لأهل المقتول دية، قلّت أم كثرت، لأن المهم أن يُكسب رضاهم.<ref>أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، ص551، نقلًا عن: بدوي، الأحكام العامة في القانون الجنائي، الجزء الأول، ص195.</ref>
استفاد بعض الكتّاب من تنكير «دية» في هذه الآية أيضاً على أنّ ماهية الدية بدل الرضا؛ لأنّ الله تعالى قال: تُدفع الدية لأهل المقتول، قلّت أم كثرت، إذ المهم أن يُحصَّل رضاهم.<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص551، نقلاً عن: بدوی، الاحکام العامة فی القانون الجنائی، الجزء الاول، ص195.</ref>


وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه منسجم مع ظاهر الآية، وإذا كان هذا التفسير صحيحًا فسيكون دليلًا لرأي أن الدية في الأصل لكسب رضا المجني عليه وتجفيف أصل النزاع، وإن كان يُجبر بدفع الدية بصورة طبيعية جزء من أضرار المجني عليه أيضًا.
وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه ينسجم مع ظاهر الآية، وإذا كان هذا التفسير صحيحاً فسيكون دليلاً على الرأي القائل إنّ الدية في الأساس لجلب رضا المجني عليه وتجفيف جذر النزاع، وإن كان بدفع الدية يُجبر بصورة طبيعية جزء من خسائر المجني عليه أيضاً.


== تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية ==
== تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية ==
تدل الشواهد التاريخية على أن جعل الدية ليس من الأحكام التأسيسية للإسلام. وفضلًا عن ذلك، توجد شواهد على أن ماهية الدية قبل الإسلام كانت مجرد كسب الرضا وإزالة النزاع؛ لأن حياة العرب قبل الإسلام كانت قائمة إلى حد كبير على «العصبية» و«حمية الجاهلية»، وهذا ما كان يوجب أن يُعدّ أدنى تعرض لأفراد القبيلة تعرضًا لكيان القبيلة فتتأجج نيران العصبية والانتقام. وفي مثل هذه الظروف كانت أهم وظيفة للدية هي «كسب رضا» قوم المجني عليه وتخفيف نيران الانتقام لديهم. ولذلك أكد المؤرخون أن العربي الجاهلي كان يعرف الانتقام قبل أن يعرف نظام دفع الدية، وبعد النتائج الضارة التي أصابتهم من جريان الانتقام انتهوا إلى أن يكسبوا رضا قبيلة المجني عليه بدفع مبلغ من المال.<ref>أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، ص60، نقلًا عن: محمد إبراهيم الدسوقي، تقدير التعويض بين الخطأ والضرر، ص23.</ref> وقد نُقلت هذه الحالة عند سائر الأمم بدرجات متفاوتة.<ref>ميرسعيدي، الماهية الحقوقية للديات، ص17، نقلًا عن: فتحي بهنسي، العقوبة في الفقه الإسلامي، ص212.</ref>
تُظهر الشواهد التاريخية أنّ جعل الدية ليس من الأحكام التأسيسية للإسلام. وإضافةً إلى ذلك، توجد شواهد على أنّ ماهية الدية قبل الإسلام كانت مجرد جلب الرضا وإزالة النزاع؛ لأنّ حياة العرب قبل الإسلام كانت قائمة إلى حد كبير على أساس «العصبية» و«الحمية الجاهلية»، وهذا ما جعل أدنى اعتداء على أفراد القبيلة بمنزلة اعتداء على كيان القبيلة، فتشتعل نيران العصبية والانتقام. وفي مثل هذه الظروف كانت أهم وظيفة للدية هي «جلب الرضا» لقوم المجني عليه وتخفيف ألسنة الانتقام لديهم. ولذلك أكّد المؤرخون أنّ العربي الجاهلي كان يعرف الانتقام قبل أن يعرف نظام دفع الدية، وبعد النتائج الضارة التي لحقت بهم من جريان الانتقام، توصلوا إلى أن يجلبوا رضا قبيلة المجني عليه بدفع مبلغ من المال،<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص60، نقلاً عن: محمد ابراهیم الدسوقی، تقدیر التعویض بین الخطأ والضرر، ص23.</ref> وقد رُوي هذا الوضع في سائر الأمم أيضاً بدرجة أقل أو أكثر.<ref>میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص17، نقلاً عن: فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص212.</ref>  


وشاهد آخر قصة منقولة عن الشافعي، وبناءً عليها قتل رجل أحد الأشراف، فذهب أقارب القاتل إلى والد المقتول وقالوا: «ماذا تريد منا لترضى؟» فقال والد المقتول: «واحدًا من ثلاثة أمور.» قالوا: «وما هذه الأمور الثلاثة؟» قال: «إما أن تحيوا ابني، أو أن تملؤوا داري نجومًا من السماء، أو أن تسلّموا إليّ قومكم لأقتلهم جميعًا، وفي هذه الحالة أيضًا لا أدري هل أكون قد أخذت بالثأر أم لا».<ref>فتحي بهنسي، العقوبة في الفقه الإسلامي، ص62، نقلًا عن: أحكام القرآن للشافعي، ج1، ص269.</ref>
وشاهد آخر هو القصة المنقولة عن الشافعي، وبناءً عليها قتل رجل أحد الأشراف، فذهب أقارب القاتل إلى أبي المقتول وقالوا: «ماذا تريد منا لترضى؟» فقال أبو المقتول: «أحد ثلاثة أمور.» قالوا: «وما هذه الأمور الثلاثة؟» قال: «إما أن تُحيوا ولدي، أو أن تملؤوا داري بنجوم السماء، أو أن تسلّموا إليّ قومكم لأقتلهم جميعاً، وفي هذه الحال أيضاً لا أدري هل أكون قد ثأرت أم لا».<ref>فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص62، نقلاً عن: احکام القرآن للشافعی، ج1، ص269.</ref>  
ويمكن عدّ الاعتماد على «الرضا» دلالة على أن ماهية الدية في ذلك المجتمع كانت بدل رضا.
ويمكن عدّ الاتكاء على «الرضا» دليلاً على أنّ ماهية الدية في ذلك المجتمع كانت بدل الرضا.


=== تثبيت الدية من قبل النبي (ص) ===
===تثبيت الدية من قبل النبي(ص)===
بتأييد النبي الكريم لحكم الدية وإمضائه، لم تُترك هذه الوظيفة فجأة، بل حُفظ كثير من خصائصها. وكون النبي (ص) جعل الدية مئة ناقة على سنة عبد المطلب يدل أيضًا على أنه لم يكن يقصد بهذا العمل مجرد جبر الضرر، لأنه بحسب سنة العرب في الجاهلية لم يكن ضرر فقدان إنسان واحد للقبيلة أكثر من 10 إبل، وإذا كان المقتول من رؤساء القبائل وشيوخها كان هذا الضرر يعادل ألف ناقة. ولم يحدد النبي مقدارًا معينًا، وهو المئة ناقة، لجبر ذلك الضرر، بل لإنهاء النزاع وكسب الرضا.
بعد تأييد حكم الدية وإمضائه من قبل النبي الكريم للإسلام، لم تُترك هذه الوظيفة دفعة واحدة، بل حُفظ كثير من خصائصها. وكون النبي(ص) جعل الدية مئة ناقة على سنة عبد المطلب يدل أيضاً على أنه لم يقصد بهذا العمل جبران الخسارة وحده، لأنه بحسب سنة العرب الجاهليين لم تكن خسارة فقدان إنسان واحد للقبيلة تزيد على 10 نوق، وإذا كان المقتول من الرؤساء وشيوخ القبائل فإنّ هذه الخسارة كانت تعادل 1000 ناقة أيضاً. فالنبي لم يقرّر مقداراً معيناً، هو مئة ناقة، لجبران تلك الخسارة، بل من أجل إنهاء النزاع وجلب الرضا.


== مواضيع ذات صلة ==
==مواضيع ذات صلة==
* [[الدية بوصفها عقوبة]]
* [[الدية بوصفها عقوبة]]  
* [[الدية بوصفها جبرًا للضرر]]
* [[الدية بوصفها جبرًا للضرر]]  


== الهوامش ==
==الهوامش==
{{مراجع}}
{{مراجع}}


== المصادر ==
==المصادر==
* أحمد إدريس، عوض، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1986م.
{{مصادر}}
* بهجت، محمد تقي، استفتاءات، قم، مكتب آية الله بهجت، 1428هـ.
* احمد ادریس، عوض، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1986م.
* التبريزي، ميرزا جواد، تنقيح مباني الأحكام: كتاب الديات، قم، دار الصديقة الشهيدة (ع)، 1428هـ.
* بهجت، محمدتقی، استفتائات (الاستفتاءات)، قم، مكتب آية الله بهجت، 1428ق.
* جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، مركز نشر إسراء، 1389هـ.ش.
* تبریزی، میرزا جواد، تنقيح مباني الأحكام: كتاب الديات، قم، دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها، 1428ق.
* الحلي، محمد بن إدريس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية في قم، 1410هـ.
* جوادی آملی، عبدالله، تفسیر تسنیم (تفسير تسنيم)، قم، مركز نشر الإسراء، 1389ش.
* الخوانساري، السيد أحمد، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1405هـ.
* حلی، محمد بن‌ ادریس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم‌،‌ 1410ق.
* الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الأولى، د.ت.
* خوانساری، سید احمد، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1405ق.
* فاضل الكاظمي، جواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، د.ن، د.ت، د.م.
* طوسی، محمد بن حسن، التبیان فی تفسیر القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، دون تاريخ.
* فتحي بهنسي، أحمد، الدية في الشريعة الإسلامية، القاهرة، دار الشروق، الثالثة، 1404هـ.
* فاضل کاظمی، جواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان.
* فتحي بهنسي، أحمد، العقوبة في الفقه الإسلامي، بيروت، دار الشروق، الخامسة، 1403هـ.
* فتحی بهنسی، احمد، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1404ق.
* فرداد، علي، «القتل العمد في القانون الجنائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجنائي الفرنسي والإيطالي»، نشرية «المجموعة الحقوقية»، العدد 10-11، دي وبهمن 1323هـ.ش.
* فتحی بهنسی، احمد، العقوبة فی الفقه الاسلامی، بيروت، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403ق.
* منتظري، حسين علي، العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان، قم، أرغوان دانش، الأولى، 1429هـ.
* فرداد، علی، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا» (القتل العمد في القانون الجزائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجزائي الفرنسي والإيطالي)، نشریه مجموعه حقوقی (المجلة الحقوقية)، العدد 10-11، دی و بهمن 1323.
* ميرسعيدي، السيد منصور، الماهية الحقوقية للديات، طهران، نشر ميزان، الأولى، 1373هـ.ش.
* منتظری، حسینعلی، مجازات‌هاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش‌، الطبعة الأولى، 1429ق.
* النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، السابعة، د.ت.
* میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، الطبعة الأولى، 1373ش.
* نجفی، محمدحسن‌، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي‌، الطبعة السابعة، دون تاريخ.


[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]]
[[en:Theory of diya as a means of collecting consent]]
[[en:Theory of diya as a means of collecting consent]]
[[ar:الدية بوصفها بدل تراضٍ]]
[[fa:نظریه ابزارانگاری دیه برای رضایت]]
[[fa:نظریه ابزارانگاری دیه برای رضایت]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٢٠:٣٦، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦

مؤلف: علي شريفي



  • الملخص

الدية بوصفها بدل تراضٍ (في مقابل العقوبة وجبران الخسارة والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليها تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم.

وقد استُدلّ على كون الدية بدل تراضٍ بـالآية 92 من سورة النساء التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، فإن كان المقتول المؤمن من قوم أعداء فلا تجب الدية، وأما إن كان من قوم معاهَدين فتجب الدية. وبذلك قيل إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإنّ الدم المسفوك إذا كان لقوم ثبتت عداوتهم ونزاعهم مع المسلمين، كان جعل الدية بلا جدوى. وإضافةً إلى الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية.

وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً على نحو جيد.

الأهمية والمكانة

يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فإن إمكان الجواب عنها إما معدوم أو عسير؛ ومن تلك المسائل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام.

وحصيلة المساعي التي بُذلت حتى الآن في تبيين ماهية الدية، فيما عدا نظرية بدل التراضي، ثلاثة آراء أخرى هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.[١]

تبيين الرأي

تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ للدية ماهية منحصرة بها، وأنها في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم، من أجل احتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة منفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً بينهما. ويكتب محمد تقي بهجت في جوابه عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أقرب شبهاً بأحدهما.»[٢]

وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، فإنه عند الشارع ذو أهمية من الدرجة الثانية. وما هو مهم في المقام الأول هو «جلب الرضا» للمجني عليه أو أولياء الدم، ومنع النزاع الذي ينشأ نتيجة الأذى البدني.

ومن بين أهل السنة يميل إلى هذا الرأي علي أحمد راشد،[٣] ورضوان شافعي المتعافي،[٤] ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي الرأي المشهور بين الحقوقيين في مصر، ويكتب: «الدية ناظرة فقط إلى إطفاء الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وبناءً على ذلك فقد وُضعت الدية لهذا السبب لكي تؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حدٍّ ما.»[٥]

وما يميّز هذا الرأي عن سائر الآراء، ولا سيما الرأي الثاني، هو الاتكاء على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولذلك فهو لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة.

ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران كامل للخسارة، ولذلك يستطيع هذا الرأي أن يبرّر على نحو جيد عدم تساوي الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وتبرز هذه الخاصية على وجه الخصوص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الناتجة عن القتل ليس ميسوراً، ولذلك تعدّ بعض الدول اليوم القتل جناية محضة، ولا تعدّ القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كنفقات التكفين والدفن ونقص الدخل الناتج عن فقدان الشخص، ولذا لا تقرّر مالاً لجبرانه.[٦]

نتائج الرأي

فهم ماهية الدية أشبه باكتشاف علة الحكم، التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات المجتمع في ذلك اليوم، ولا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها كذلك ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه يمكن، بتغيّر الظروف، إحلال آلية جديدة محلها.[٧] ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة».

الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي

يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي:

  • يمكن للحاكم الإسلامي، بحسب ما يراه، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعسر تحصيلها.
  • يُبرَّر التفاوت في الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لا يظهر فيها وقوع خسارة على الشخص-.
  • يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل إلى أساليب أخرى، وأن يجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة.
  • يمكن فهم التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، وتحليله على نحو جيد.
  • تصبح مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، إذ لن تكون لأي من الأصناف المذكورة حينئذٍ خصوصية.
  • لن تكون طريقة حساب الأرش بعد ذلك مشكلة للقضاة والأطباء، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش.

الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء

تُعدّ الآية 92 من سورة النساء الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه يمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في فقرتها الأخيرة بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد» في وجوب دفع الدية[٨]؛ بمعنى أنّ المقتول المؤمن إذا كان من قوم يُعدّون أعداء لكم فلا تجب الدية، وأما إذا كان من قوم لكم معهم عهد فتجب الدية.

ومع ذلك، فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وأوجبوا الدية.[٩] واستثنى بعض الفقهاء أيضاً من الحكم الكلي لوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً فرضَ أن يُقتل مؤمن في دار الحرب ظناً بأنه كافر. وإن كان بعضهم، كصاحب الجواهر[١٠] وصاحب المدارك،[١١] لا يقبلون حتى هذا الاستثناء.

المراد بالقوم

اتفق المفسرون والفقهاء على أنّ المراد بـ«القوم» في الآية غير المسلمين، لكنهم اختلفوا في المراد بالمسلم. فيراه بعضهم مسلماً يقف في صف المشركين في حرب مع المسلمين، فيُقتل نتيجة ذلك،[١٢] ويراه بعضهم مسلماً ينتمي إلى قوم كافر، لكنّ هذا الشخص المقتول قد أسلم استثناءً. وينسب صاحب مسالك الأفهام هذا القول إلى الشيخ الطوسي.[١٣]

والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول ولا مع ظاهر الآية، ففي أسباب النزول المنقولة للآية لا يوجد فرض الحضور في صف المشركين للقتال؛ لأنّ الآية إما نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي الذي قتل الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري ظناً منه أنه كافر، أو في أبي الدرداء الذي هاجم في سرية رجلاً صاحب غنم، ولم يلتفت إلى قوله «لا إله إلا الله» وقتله.[١٤] ومن جهة أخرى، فإنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع ظاهر الآية أيضاً، لأنّ الآية في شأن القوم المعاهَد الذين هم بطبيعة الحال ليسوا في حرب مع المسلمين؛ هذا فضلاً عن أنه في هذه الصورة لا ينبغي أن توجد الكفارة أيضاً، أما الاحتمال الثاني فينسجم مع ظاهر الآية.

لماذا لا تتعلق الدية بالمؤمن الذي هو من قوم عدو؟

السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو أنه مع كون القاعدة العامة في قتل المؤمن خطأً وجوبَ الدية، فلماذا لا دية للمؤمن الذي هو من قوم عدو، ولماذا خصّص كثير من الفقهاء إطلاقات الروايات بآية القرآن وأخرجوا هذا المورد من وجوب دفع الدية؟[١٥]

وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في سبب عدم وجوب الدية؛ فقال بعضهم: لأنّ قوم هذا الشخص كفار، والكافر لا يرث من المسلم، والدية تورَّث أيضاً، فلا ينبغي أن تُدفع الدية.[١٦] وقيل في نقد هذا التحليل: لو كان الأمر كذلك لوجب أن يُذكر في الآية قيد بهذا المضمون: «إلا أن يكون له وارث مسلم». وعليه فإنّ سبب عدم دفع الدية هو أنه بسبب العداوة والخصومة بين المسلمين وذلك القوم لا يمكن التحقق من ورثته لتُسلَّم الدية إليهم.[١٧]

وقال آخرون: إنّ عيش المسلم في دار الحرب وبين أعداء الإسلام يعني إقدامه على إهدار دم نفسه، ولذلك فلا دية له.[١٨]

التبيين على أساس رفع النزاع

لم يُذكر دليل على أيٍّ من التوجيهات المذكورة في ذيل الآية، ولكن هذه الآراء نفسها تدل على أنّ لوجود العداوة والخصومة تأثيراً في نفي الدية الذي بيّنه القرآن. وعليه يمكن توضيح الآية على هذا النحو: إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبتت عداوتهم وخصومتهم مع المسلمين، فلن يكون لجعل الدية ثمرة. ويكتب حسين علي المنتظري: «وإن كان وضع الدية بنحو ما لجبران الخسارة الواقعة، إلا أنّ... المؤمن الذي قُتل خطأً ولم تكن لأقاربه عداوة مع المسلمين له دية، أما المؤمن الذي قُتل على النحو نفسه لكن أقاربه من أعداء المسلمين فلا دية له؛ مع أنّ كليهما إنسان مؤمن.»[١٩] ويرى المنتظري، إضافةً إلى أنّ مجرد وجود العداوة سبب لسقوط الدية، أنّ كلمة «القوم» تُعبَّر عنها بـ«الأقارب» للمقتول. وهذا التعبير موافق لظاهر القرآن ويمنع من اختصاصه بالكفار الحربيين، وإن كان بعض المفسرين يعتقدون أنّ تعبير «من قوم» ناظر إلى محل السكن، لا إلى المنشأ الأسري والقبلي الذي ينتمي إليه المقتول.[٢٠]

تنكير كلمة الدية

استفاد بعض الكتّاب من تنكير «دية» في هذه الآية أيضاً على أنّ ماهية الدية بدل الرضا؛ لأنّ الله تعالى قال: تُدفع الدية لأهل المقتول، قلّت أم كثرت، إذ المهم أن يُحصَّل رضاهم.[٢١]

وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه ينسجم مع ظاهر الآية، وإذا كان هذا التفسير صحيحاً فسيكون دليلاً على الرأي القائل إنّ الدية في الأساس لجلب رضا المجني عليه وتجفيف جذر النزاع، وإن كان بدفع الدية يُجبر بصورة طبيعية جزء من خسائر المجني عليه أيضاً.

تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية

تُظهر الشواهد التاريخية أنّ جعل الدية ليس من الأحكام التأسيسية للإسلام. وإضافةً إلى ذلك، توجد شواهد على أنّ ماهية الدية قبل الإسلام كانت مجرد جلب الرضا وإزالة النزاع؛ لأنّ حياة العرب قبل الإسلام كانت قائمة إلى حد كبير على أساس «العصبية» و«الحمية الجاهلية»، وهذا ما جعل أدنى اعتداء على أفراد القبيلة بمنزلة اعتداء على كيان القبيلة، فتشتعل نيران العصبية والانتقام. وفي مثل هذه الظروف كانت أهم وظيفة للدية هي «جلب الرضا» لقوم المجني عليه وتخفيف ألسنة الانتقام لديهم. ولذلك أكّد المؤرخون أنّ العربي الجاهلي كان يعرف الانتقام قبل أن يعرف نظام دفع الدية، وبعد النتائج الضارة التي لحقت بهم من جريان الانتقام، توصلوا إلى أن يجلبوا رضا قبيلة المجني عليه بدفع مبلغ من المال،[٢٢] وقد رُوي هذا الوضع في سائر الأمم أيضاً بدرجة أقل أو أكثر.[٢٣]

وشاهد آخر هو القصة المنقولة عن الشافعي، وبناءً عليها قتل رجل أحد الأشراف، فذهب أقارب القاتل إلى أبي المقتول وقالوا: «ماذا تريد منا لترضى؟» فقال أبو المقتول: «أحد ثلاثة أمور.» قالوا: «وما هذه الأمور الثلاثة؟» قال: «إما أن تُحيوا ولدي، أو أن تملؤوا داري بنجوم السماء، أو أن تسلّموا إليّ قومكم لأقتلهم جميعاً، وفي هذه الحال أيضاً لا أدري هل أكون قد ثأرت أم لا».[٢٤] ويمكن عدّ الاتكاء على «الرضا» دليلاً على أنّ ماهية الدية في ذلك المجتمع كانت بدل الرضا.

تثبيت الدية من قبل النبي(ص)

بعد تأييد حكم الدية وإمضائه من قبل النبي الكريم للإسلام، لم تُترك هذه الوظيفة دفعة واحدة، بل حُفظ كثير من خصائصها. وكون النبي(ص) جعل الدية مئة ناقة على سنة عبد المطلب يدل أيضاً على أنه لم يقصد بهذا العمل جبران الخسارة وحده، لأنه بحسب سنة العرب الجاهليين لم تكن خسارة فقدان إنسان واحد للقبيلة تزيد على 10 نوق، وإذا كان المقتول من الرؤساء وشيوخ القبائل فإنّ هذه الخسارة كانت تعادل 1000 ناقة أيضاً. فالنبي لم يقرّر مقداراً معيناً، هو مئة ناقة، لجبران تلك الخسارة، بل من أجل إنهاء النزاع وجلب الرضا.

مواضيع ذات صلة

الهوامش

  1. ↑ ويُلاحظ في بعض الكلمات رأي رابع أيضاً يمكن التعبير عنه بالرأي التفكيكي. وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأميناً للخسارة، ولكن لعدم استنادها إلى سند استدلالي محكم يُمتنع عن ذكرها.
  2. ↑ بهجت، استفتائات، ج4، ص487.
  3. ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.
  4. ↑ احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.
  5. ↑ فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.
  6. ↑ فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.
  7. ↑ وقد دُرس هذا الرأي بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهل‌بیت و فقه احناف».
  8. ↑ «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»
  9. ↑ حلی، السرائر، ج3، ص320.
  10. ↑ نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.
  11. ↑ خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.
  12. ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.
  13. ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.
  14. ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
  15. ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص229.
  16. ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
  17. ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
  18. ↑ تبریزی، تنقيح مباني الأحكام، كتاب الديات، ص342.
  19. ↑ منتظری، مجازات‌های اسلامی و حقوق بشر، ص57.
  20. ↑ جوادی آملی، تفسیر تسنیم، ج20، ص137-138.
  21. ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص551، نقلاً عن: بدوی، الاحکام العامة فی القانون الجنائی، الجزء الاول، ص195.
  22. ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص60، نقلاً عن: محمد ابراهیم الدسوقی، تقدیر التعویض بین الخطأ والضرر، ص23.
  23. ↑ میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص17، نقلاً عن: فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص212.
  24. ↑ فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص62، نقلاً عن: احکام القرآن للشافعی، ج1، ص269.

المصادر

  • احمد ادریس، عوض، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1986م.
  • بهجت، محمدتقی، استفتائات (الاستفتاءات)، قم، مكتب آية الله بهجت، 1428ق.
  • تبریزی، میرزا جواد، تنقيح مباني الأحكام: كتاب الديات، قم، دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها، 1428ق.
  • جوادی آملی، عبدالله، تفسیر تسنیم (تفسير تسنيم)، قم، مركز نشر الإسراء، 1389ش.
  • حلی، محمد بن‌ ادریس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم‌،‌ 1410ق.
  • خوانساری، سید احمد، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1405ق.
  • طوسی، محمد بن حسن، التبیان فی تفسیر القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، دون تاريخ.
  • فاضل کاظمی، جواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان.
  • فتحی بهنسی، احمد، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1404ق.
  • فتحی بهنسی، احمد، العقوبة فی الفقه الاسلامی، بيروت، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403ق.
  • فرداد، علی، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا» (القتل العمد في القانون الجزائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجزائي الفرنسي والإيطالي)، نشریه مجموعه حقوقی (المجلة الحقوقية)، العدد 10-11، دی و بهمن 1323.
  • منتظری، حسینعلی، مجازات‌هاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش‌، الطبعة الأولى، 1429ق.
  • میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، الطبعة الأولى، 1373ش.
  • نجفی، محمدحسن‌، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي‌، الطبعة السابعة، دون تاريخ.

ar:الدية بوصفها بدل تراضٍ