انتقل إلى المحتوى

محمد الطاهر بن عاشور: الفرق بين النسختين

من موسوعة الفقه المعاصر
لا ملخص تعديل
Ahmadnazem (نقاش | مساهمات)
لا ملخص تعديل
 
(مراجعة متوسطة واحدة بواسطة مستخدم واحد آخر غير معروضة)
سطر ٢٣: سطر ٢٣:


* '''الملخص'''
* '''الملخص'''
'''محمد الطاهر بن عاشور''' (1296-1393هـ) مفسِّر وفقيه تونسي ومنظِّر في [[مقاصد الشريعة]]، اشتهر في العالم الإسلامي بكتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» وتفسيره «التحرير والتنوير». وابن عاشور أشعري المسلك مالكي المذهب، ويُعدّ من العلماء الإصلاحيين الذين استطاعوا أن يكونوا مؤسسين لتحولات وتجديدات كثيرة في الميادين العلمية والاجتماعية في تونس.


كان ابن عاشور يرى الإسلام ديناً أهلاً للتساهل والتسامح، ولذلك عدّه ذا طاقات للحضور في ميدان المجتمع والسياسة، ومن هذا المنظور كان ينظر إلى القضايا الوحيانية. وكان ينتقد العلمانيين المسلمين الذين رأوا الإسلام حداً أدنى، ولم يكن يرى الإسلام بعيداً عن ميدان الحكم.
'''محمد الطاهر بن عاشور''' (1296–1393هـ) مفسّر وفقيه تونسي، وأحد المنظّرين في [[مقاصد الشريعة]]، اشتهر في العالم الإسلامي بكتابه «مقاصد الشريعة» وتفسيره «التحرير والتنوير». كان ابن عاشور أشعريّ العقيدة، مالكيّ المذهب، ويُعدّ من أبرز العلماء الإصلاحيين الذين أسهموا في إحداث تحولات وتجديدات في المجالات العلمية والاجتماعية في تونس.


واعتماداً على منهجه الإصلاحي، كان ابن عاشور يرى الفقه كفؤاً وعصرياً، وكان يتابع هذا الهمّ من خلال الالتفات إلى مقاصد الشارع والاعتقاد بطاقة [[الشريعة السمحة السهلة|التساهل والتسامح]] و[[قابلية الأحكام للتعليل|قابلية الأحكام الاجتماعية للتعليل]]. وعلى هذا الأساس أعاد قراءة أحكام متعددة، مثل الأضحية في الحج، وضرب النساء، وبنية الحكومة، والمشقة في الصيام، وأبدى فيها رأياً جديداً.
كان ابن عاشور يرى أنّ الإسلام دين يقوم على السماحة والتسامح، وأنّ له مجالًا للحضور في الحياة الاجتماعية والسياسية؛ ومن هذا المنطلق، تعامل مع النصوص الوحيانية. كما انتقد المسلمين العلمانيين الذين يحصرون الإسلام في نطاق محدود، ولم يرَ أنّ الإسلام منفصل عن مجال الحكم.
وقد طرح ابن عاشور مقاصد الشريعة لتجديد أصول الفقه، بل ربما بوصفها طاقة بديلة عنه، ويحاول بنظرية المقاصد أن يعبر من النظرة التجزيئية (الجزئية) في فهم الأحكام ورؤيتها فردية إلى النظرة الاجتماعية والكلية. ومع ذلك فإنّ تجديدات ابن عاشور في المقصدية والتفسير ونظرته الاجتماعية إلى التعاليم الدينية لم تغب عن نظر الناقدين، وقد حاول بعض أصحاب النظر تحليل النتائج الإيجابية والسلبية لآثاره الفكرية.  


== التعريف بشخصية ابن عاشور==
وانطلاقًا من توجهه الإصلاحي، رأى ابن عاشور أنّ الفقه قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر. وسعى إلى تحقيق ذلك من خلال الاهتمام بمقاصد الشارع، والإيمان بما تتيحه [[الشريعة السمحة السهلة|السماحة والتيسير]]، و<nowiki/>[[قابليّة الأحكام للتعليل|قابلية الأحكام الاجتماعية للتعليل]]. وعلى هذا الأساس، أعاد النظر في أحكام متعددة، منها الهدي في الحج، وضرب النساء، وبنية الحكم، والمشقة في الصيام، وطرح بشأنها آراء جديدة.
وُلد محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973م)، شيخ الإسلام للمذهب المالكي في تونس وشيخ جامع الزيتونة، في «المرسى» من نواحي شمال تونس. حفظ القرآن وتعرّف إلى اللغة الفرنسية أيضاً. ويُعدّ باحثاً أديباً ومفسراً وأصولياً ومنظّراً في مجال مقاصد الشريعة والنظام الاجتماعي - السياسي للدين.<ref>المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص80.</ref> وكانت له إجازة اجتهاد من أربعة من أساتذته. وبتأثره بالثورة الفكرية لأمثال جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده صار من أبرز صانعي التحول في مجتمعه المحيط به. وتوفي أخيراً يوم السبت 13 رجب 1394هـ.  


=== آثار ابن عاشور ===
طرح ابن عاشور مقاصد الشريعة سبيلًا لتجديد أصول الفقه، وربما بوصفها علمًا يمكن أن يحلّ محلّه. وسعى، من خلال نظرية المقاصد، إلى الانتقال من النظرة التجزيئية والفردية في فهم الأحكام إلى نظرة اجتماعية وكلية. ومع ذلك، لم تغب تجديداته في الفكر المقاصدي والتفسير، ونظرته الاجتماعية إلى التعاليم الدينية، عن أنظار النقاد؛ إذ حاول بعض الباحثين تحليل الآثار الإيجابية والسلبية لتراثه الفكري.
لابن عاشور مؤلفات كثيرة؛ وهذه المؤلفات وإن كانت لا تنحصر في مجال خاص فإنّ القاسم المشترك بينها هو كونها جديدة. وله نحو 38 أثراً منشوراً وآثار كثيرة غير منشورة.<ref>الغالی، محمد الطاهر بن عاشور: حیاته و آثاره؛ الحسنی، مقاصد شریعت از نگاه ابن‌عاشور، ص142-150.</ref> ومن آثاره التي تدل على أفكاره في المشكلات المعاصرة للمسلمين:


# ''تفسير التحرير والتنوير'': هذه الموسوعة العلمية - القرآنية من أبقى آثاره ومن التفاسير المهمة في العصر المعاصر، وقد نُظّمت على غرار تفاسير القرآن بالقرآن.<ref>صقر، منهج الطاهر بن عاشور فی التفسیر، ص54.</ref> وفضلاً عن ذلك فهي تقوم، بوصفها ضلعاً من الأضلاع المنهجية، على الالتفات إلى الأحاديث والشعر واللغة والإعراب والبلاغة وغيرها مما عبّر عنه بعضهم بـ«الدراية».<ref>صقر، منهج الطاهر بن عاشور فی التفسیر، ص139.</ref> وقد دُوّن تفسير التحرير على النسق والنهج الإصلاحي؛ ولذلك لم يكن غافلاً عن أسئلة عصره وتحدياته.
== التعريف بشخصية ابن عاشور ==
# ''مقاصد الشريعة الإسلامية'': يطرح فيه، مع تبيين مكانة علم [[مقاصد الشريعة]] في الفقه، اقتراح جعل هذا العلم بديلاً عن علم أصول الفقه.
وُلد محمد الطاهر بن عاشور (1879–1973م)، شيخ الإسلام المالكي في تونس وشيخ جامع الزيتونة، في «المرسى»، إحدى المناطق الشمالية في تونس. حفظ القرآن، وتعلّم اللغة الفرنسية أيضًا. ويُعدّ باحثًا وأديبًا ومفسّرًا وأصوليًا ومنظّرًا في مقاصد الشريعة والنظام الاجتماعي والسياسي للدين.<ref>الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص80.</ref> وحصل على إجازة الاجتهاد من أربعة من أساتذته. كما تأثر بالتحول الفكري الذي أحدثه مفكرون مثل جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده، فأصبح من أبرز رواد التغيير في مجتمعه. وتوفي يوم السبت، 13 رجب 1394هـ.
# ''أصول النظام الاجتماعي في الإسلام'': تناول ابن عاشور في هذا الأثر عوامل تقدم المجتمع الإسلامي الأول وعوامل ركوده، وعدّ من خصائص النظام الاجتماعي، مع التأكيد على انسجام مبانيه مع الفطرة البشرية، الاعتدالَ وسعة الأفق والحقّانية والاعتبارية.
# ''نقدٌ علميٌّ لكتاب الإسلام وأصول الحكم'': انتقد ابن عاشور في هذا الكتاب، مؤكداً على عدم انفصال الدين عن السياسة، الفكرَ المبني على هذا الانفصال الذي طرحه أمثال [[علي عبد الرازق]].


== ابن عاشور وتهيئة الطاقات لحضور الفقه في العالم الجديد ==
=== مؤلفات ابن عاشور ===
يتميز الفقه المالكي بخصائص جعلت التجديد فيه أسهل مقارنةً بالمذاهب الأخرى. ومن هذه الخصائص: (أ) المرونة في الأصول، (ب) الالتفات إلى مقاصد الشريعة، (ج) النظر المصلحي الفقهي في ميدان الأحكام الاجتماعية، (د) الالتفات إلى أمور مثل «الخلاف» و«مكانة العرف» ونحوها مما يعين على قوة الفكر وسعة أفق نظر فقهاء هذا المذهب.<ref>ر.ک: الزلمی، اسباب اختلاف الفقهاء فی الاحکام الشرعیة، ص51، فرج حسین، و السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی، ص401 و الریسونی، نظریة المقاصد عند الامام الشاطبی، ص299.</ref>
ألّف ابن عاشور العديد من الكتب في مجالات متنوعة، وكان التجديد قاسمًا مشتركًا بينها. وله نحو 38 مؤلَّفًا منشورًا، فضلًا عن مؤلفات كثيرة لم تُنشر.<ref>الغالي، محمد الطاهر بن عاشور: حياته وآثاره؛ الحسني، مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور، ص142–150.</ref> ومن أبرز مؤلفاته التي تعكس أفكاره بشأن مشكلات المسلمين المعاصرة:


بعض تجديدات ابن عاشور في الميدان الفقهي ناشئ من ميله الفقهي، وبعض آخر منبثق من نوع نظرته إلى الشريعة والدين.  
# ''تفسير التحرير والتنوير'': تُعدّ هذه الموسوعة العلمية القرآنية من أبرز آثاره الباقية، ومن التفاسير المهمة في العصر الحديث. وقد أُلّفت وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن.<ref>صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص54.</ref> ومن مرتكزاتها المنهجية الاهتمام بالأحاديث والشعر واللغة والإعراب والبلاغة وغيرها، وهو ما عبّر عنه بعض الباحثين بمفهوم «الدراية».<ref>صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص139.</ref> وقد أُنجز هذا التفسير وفق توجه إصلاحي، مع مراعاة أسئلة العصر وتحدياته.
# ''مقاصد الشريعة الإسلامية'': يبيّن ابن عاشور في هذا الكتاب مكانة علم [[مقاصد الشريعة]] في الفقه، ويطرح اقتراحًا بإحلال هذا العلم محل علم أصول الفقه.
# ''أصول النظام الاجتماعي في الإسلام'': يتناول ابن عاشور في هذا المؤلَّف العوامل التي أسهمت في تقدم المجتمع الإسلامي الأول، والعوامل التي أدت إلى ركوده. ويؤكد انسجام أسس النظام الاجتماعي مع الفطرة البشرية، ويعدّ الاعتدال وسعة الأفق والتمحور حول الحق والطابع الاعتباري من خصائص هذا النظام.
# ''نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم'': يؤكد ابن عاشور في هذا الكتاب أن الدين لا ينفصل عن السياسة، وينتقد الفكر الداعي إلى الفصل بينهما، كما طرحه أشخاص مثل [[علي عبد الرازق]].


===حرية الفكر وعدم التعصب ===
== ابن عاشور وتهيئة الفقه للحضور في العالم الحديث ==
من العناوين التي التفت إليها ابن عاشور في آيات الأحكام حرية الفكر وعدم التعصب الفقهي،<ref>عنبوری، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر.</ref> وهو ناشئ من تعلّقه بالفقه المالكي. وهذه الخاصية من مختصات المدرسة التفسيرية في المغرب الإسلامي<ref>شفیعی، «روش‌شناسی تفسیر در مغرب اسلامی».</ref> وقد عُدّت أيضاً من خصائص المذهب المالكي.<ref>فراج حسین، و محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه؛ عنبوری، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر.</ref>  
يتسم الفقه المالكي بخصائص تجعل التجديد فيه أيسر مقارنةً بالمذاهب الأخرى. ومن هذه الخصائص: (أ) المرونة في الأصول، (ب) الاهتمام بمقاصد الشريعة، (ج) مراعاة المصالح في الأحكام الاجتماعية، (د) الاهتمام بمسائل مثل «الخلاف» و«مكانة العرف» ونحوها. وتسهم هذه الخصائص في تعزيز القدرة الفكرية وتوسيع آفاق فقهاء هذا المذهب.<ref>انظر: الزلمي، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، ص51؛ فراج حسين والسريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي، ص401؛ الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص299.</ref>


===التوسع في الاستفادة من المصالح المرسلة ===
وتعود بعض تجديدات ابن عاشور الفقهية إلى انتمائه المذهبي، في حين يرتبط بعضها الآخر بطبيعة نظرته إلى الشريعة والدين.
يعمل مالك بالمصالح المرسلة أكثر من الأئمة الآخرين، ويقول بالتوسع في الاستفادة منها.<ref>فراج حسین، و محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه، ص400.</ref> وقد تناول ابن عاشور أيضاً في «مقاصد الشريعة الإسلامية» بحث المصلحة في الشريعة بالتفصيل، وبتقسيمه المصلحة إلى عامة وخاصة قال إنّ المصلحة العامة هي كل ما فيه صلاح عموم الناس، والمصلحة الخاصة ما يُؤمَّن به صلاح كل إنسان على حدة دون لحاظ حالتهم الاجتماعية.<ref>ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة اسلامیة، ص 279.</ref>


===نظرية التسامح والتساهل في الشريعة ===
=== الانفتاح الفكري ونبذ التعصب ===
ومن مباني ابن عاشور الأخرى في مواجهة آيات الأحكام الاعتقاد بنظرية التسامح والتساهل. وقد ذكر التسامح في تفسيره وفي آثاره الأخرى بوصفه من أهم الأسس الجوهرية والنظرية للإسلام ومن المباني المهمة للشريعة.  
من الموضوعات التي اهتم بها ابن عاشور في تفسير آيات الأحكام الانفتاح الفكري ونبذ التعصب الفقهي،<ref>عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.</ref> وهو اهتمام يرتبط بانتمائه إلى الفقه المالكي. وتُعدّ هذه السمة من خصائص المدرسة التفسيرية في الغرب الإسلامي،<ref>شفيعي، «منهجية التفسير في المغرب الإسلامي».</ref> كما عُدّت من خصائص المذهب المالكي.<ref>فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه؛ عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.</ref>


== ماهية التسامح في الإسلام ومكانته في فكر ابن عاشور ==
=== التوسع في الاستفادة من المصالح المرسلة ===
يعدّ ابن عاشور التسامح والمداراة مع المؤمنين أولى خصائص الشريعة الإسلامية وأكبر مقاصدها الشرعية،<ref>ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص268.</ref> وقد عدّ آيات مثل [[الآية 85 من سورة البقرة|البقرة: 85]] و[[الآية 78 من سورة الحج|الحج: 78]] و[[الآية 6 من سورة المائدة|المائدة: 6]] وعدة روايات عن النبي(ص) دليلاً على صحة نظرية التسامح في الإسلام.<ref>ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص270-271.</ref> ويرى التسامح من لوازم فطرية دين الإسلام، ويصرّح بأنّ أهم فارق بين الإسلام والأديان الأخرى هو ابتناؤه على الفطريات.<ref>ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص92.</ref> وبحسب قول ابن عاشور فإنّ التسامح حدّ بين التشدد والإهمال، ويرجع إلى مفهوم الاعتدال والوسطية.<ref>ابن‌عاشور؛ التحریر و التنویر؛ ج21؛ ص92.</ref>  
يعمل مالك بالمصالح المرسلة أكثر من غيره من الأئمة، ويدعو إلى التوسع في الاستفادة منها.<ref>فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، ص400.</ref> وقد تناول ابن عاشور مسألة المصلحة في الشريعة بالتفصيل في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وقسّمها إلى عامة وخاصة. فالمصلحة العامة عنده هي كل ما يحقق صلاح عموم الناس، أما المصلحة الخاصة فهي ما يتحقق به صلاح الأفراد، بصرف النظر عن حالتهم الاجتماعية.<ref>ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص279.</ref>


وفي رأي ابن عاشور للتسامح أثر عظيم في انتشار الشريعة واستمرار حياتها. وبجمعه مجموع هذه الأدلة يخلص إلى أنّ التسامح من أهم المباحث الدينية.<ref>ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص227.</ref> ويرى الشريعة الإلهية شريعةً ذات تسامح وبُعد عن الخشونة وثبات وتغيّر في التشريع و[[المساواة]] و[[الحرية]].<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج22، ص71؛ أصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص223؛ مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص112 ـ 111.</ref>
=== نظرية السماحة والتيسير في الشريعة ===
من الأسس الأخرى التي اعتمدها ابن عاشور في تفسير آيات الأحكام إيمانه بالسماحة والتيسير. وقد عدّ السماحة، في تفسيره وسائر مؤلفاته، من أهم الركائز النظرية للإسلام، ومن الأسس الجوهرية للشريعة.


=== تطبيق التسامح على أحكام الصيام ===
== مفهوم السماحة ومكانتها في الإسلام عند ابن عاشور ==
يقول ابن عاشور، على مبنى التسامح في الشريعة وباستناده إلى لفظة «يطيقونه» في [[الآية 184 من سورة البقرة]]، بجواز الإفطار لجميع من يشقّ عليهم الصيام أو يحتملون ضرراً كالشيوخ والنساء المرضعات والحوامل. وهذا الحكم يختلف باختلاف الأمزجة وأزمنة الصيام وبحسب مهنة الصائم. ولذلك فإنّ حكم أصحاب الحِرف والأعمال الشاقة حكم الشيوخ والنساء المرضعات والحوامل.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج2، ص167.</ref>  
يرى ابن عاشور أن السماحة والرفق بالمؤمنين من أولى خصائص الشريعة الإسلامية وأعظم مقاصدها،<ref>ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص268.</ref> ويستدل على صحة هذا التصور بآيات قرآنية، منها [[الآية 85 من سورة البقرة|البقرة: 85]]، و<nowiki/>[[الآية 78 من سورة الحج|الحج: 78]]، و<nowiki/>[[الآية 6 من سورة المائدة|المائدة: 6]]، فضلًا عن عدد من الروايات عن النبي (ص).<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص270–271.</ref> ويعدّ السماحة من لوازم كون الإسلام دين الفطرة، ويصرّح بأن أبرز ما يميز الإسلام عن الأديان الأخرى قيامه على الفطريات.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.</ref> ويرى أن السماحة منزلة وسطى بين التشدد والتفريط، وترتبط بمعنى الاعتدال والوسطية.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.</ref>


==قابلية الأحكام للتعليل، أرضية للانسجام مع العقلانية العصرية==
وللسماحة، في نظر ابن عاشور، أثر بالغ في انتشار الشريعة واستمرارها. ومن خلال جمع هذه الأدلة، يستنتج أنها من أهم المباحث الدينية.<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص227.</ref> كما يرى أن الشريعة الإلهية تتصف بالسماحة والابتعاد عن العنف، وتجمع بين الثبات والتغير في التشريع، وتؤكد [[المساواة]] و<nowiki/>[[الحرية]].<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22، ص71؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص223؛ مقاصد الشريعة الإسلامية، ص111–112.</ref>
من مباني المصلحية وعقلنة الفقه مدى الالتزام بظاهر الأحكام أو فتح المجال للتعليل. وابن عاشور من أصحاب النظر الذين قبلوا [[قابلية الأحكام للتعليل]].<ref>ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص93-96.</ref>  


وقد أقام نظرية مقاصد الشريعة عنده على ثلاثة أسس عقلية هي: الفطرة والمصلحة والتعليل. وقد ربط ابن عاشور عقلنة التفكير الديني في دائرة التشريعات بالاعتقاد بقابلية الأحكام للتعليل، وعبّر عنها بـ«معقولية التشريع».<ref>ابن‌عاشورا، أصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص53-58.</ref> ويعتقد أنّ إنكار التعليل سيؤدي إلى الجمود على ظواهر الألفاظ الشرعية في الاستدلالات، وهو ما سيجرّ الشريعة إلى هاوية التوقف والركود في إثبات أحكام الشرع في الأحداث الجديدة، ويُخشى أن يؤدي إلى نفي قابليات الشريعة لكل زمان ومكان.<ref>ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص47.</ref>
=== تطبيق السماحة على أحكام الصيام ===
انطلاقًا من مبدأ السماحة في الشريعة، واستنادًا إلى لفظ «يطيقون» الوارد في [[الآية 184 من سورة البقرة]]، يرى ابن عاشور جواز الإفطار لكل من يشق عليه الصيام أو يخشى أن يلحق به ضررًا، ومنهم المسنون والمرضعات والحوامل. ويختلف تطبيق هذا الحكم باختلاف الأمزجة وأوقات الصيام ومهن الصائمين؛ ولذلك يُلحق أصحاب المهن والأعمال الشاقة بالمسنين والمرضعات والحوامل في هذا الحكم.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص167.</ref>


ويرى ابن عاشور جميع الأحكام العبادية والمعاملية، عدا الأحكام التعبدية المحضة، قابلة للتعليل، ويمكن بالاجتهاد الوصول إلى عللها.<ref>ابن‌عاشور، مقاصد الشریعة الاسلامیة، ص240-241.</ref> وقد أدّت هذه النظرية إلى مؤاخذة عدد من المفكرين لابن عاشور بأنه لماذا يبحث عن العلة حتى في أدق المسائل الفقهية.<ref>الفاسی، مقاصد الشریعة و مکارمها، ص 1.</ref>
== قابلية الأحكام للتعليل بوصفه مدخلًا لمواكبة العقلانية المعاصرة ==
من العوامل المؤثرة في مراعاة المصالح وإضفاء الطابع العقلاني على الفقه مدى الالتزام بظواهر الأحكام، أو إتاحة المجال لتعليلها. ويُعدّ ابن عاشور من العلماء الذين قبلوا [[تعليل الأحكام]].<ref>ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص93–96.</ref>


=== في ضرب النساء ===
أسّس ابن عاشور نظريته في مقاصد الشريعة على ثلاثة مرتكزات عقلية: الفطرة، والمصلحة، والتعليل. وربط عقلانية التفكير الديني في مجال التشريعات بالقول بتعليل الأحكام، وعبّر عن ذلك بمفهوم «معقولية التشريع».<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص53–58.</ref> ويرى أن إنكار التعليل يؤدي إلى الجمود على ظواهر الألفاظ الشرعية في الاستدلال، وهو ما يفضي إلى عجز الشريعة عن إثبات الأحكام في الوقائع المستجدة. كما يخشى أن ينتهي هذا الموقف إلى إنكار صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.<ref>ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص47.</ref>
يؤكد ابن عاشور في بحث ضرب النساء في ذيل [[الآية 34 من سورة النساء]] أنه لا يمكن الاستدلال على جواز ضرب الزوجة بـ«الضرب» الذي منشؤه النشوز والكراهة المقبولان عند عرف العرب؛ لأنّ هذا القانون جرى على أساس عرف المجتمع العربي في ذلك الزمان، كما أنّ اختلاف الناس قد لوحظ فيه. وقد أشار ابن عاشور في تفسيره، لمنع إساءة الرجال استخدام هذا الحكم، مؤكداً على أنّ «قلّ من يعاقب على قدر الذنب»، إلى الرافعة الحكومية في هذا الشأن، وقال إنّ للحكومة، لمنع إساءة الرجال استخدام مثل هذه الأحكام، أن تتولى هي إجراء هذه الأحكام وتعاقب كل من يقدم عليها تعسفاً.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص119.</ref>  
 
ويعدّ ابن عاشور جميع أحكام العبادات والمعاملات، باستثناء الأحكام التعبدية المحضة، قابلةً للتعليل، ويرى أن الاجتهاد يتيح الوصول إلى عللها.<ref>ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص240–241.</ref> وقد دفعت هذه النظرية بعض المفكرين إلى انتقاده، بسبب سعيه إلى البحث عن العلل حتى في أدق المسائل الفقهية.<ref>الفاسي، مقاصد الشريعة ومكارمها، ص1.</ref>
 
=== في مسألة ضرب النساء ===
عند تناوله مسألة ضرب النساء في تفسير [[الآية 34 من سورة النساء]]، يؤكد ابن عاشور أنّه لا يمكن الاستدلال على جواز ضرب الزوجة على نحو مطلق، انطلاقًا من حكم ورد في سياق النشوز أو سلوك مستهجن وفق العرف العربي؛ إذ جاء هذا الحكم مراعيًا لأعراف المجتمع العربي آنذاك، مع مراعاة اختلاف أحوال الناس. وللحيلولة دون إساءة الرجال استعمال هذا الحكم، يشير في تفسيره إلى دور السلطة، مؤكدًا أن «قلّ من يعاقب على قدر الذنب». ويرى أن السلطة تستطيع، منعًا لإساءة استعمال هذه الأحكام، أن تتولى تنفيذها بنفسها، وأن تعاقب كل من يقدم على تنفيذها من تلقاء نفسه.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص119.</ref>


== ابن عاشور ومقاصد الشريعة ==
== ابن عاشور ومقاصد الشريعة ==
بعد مرور سنوات على أول طبعة لكتاب «[[مقاصد الشريعة الإسلامية (كتاب)|مقاصد الشريعة الإسلامية]]» لابن عاشور، ما زال هذا الكتاب وآراء مؤلفه مصدراً مهماً في مقاصد الشريعة، ويخضع لنقد أصحاب النظر وتحليلهم، ومن ذلك يمكن الإشارة إلى كتابَي «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور» و«الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية». وابن عاشور، الذي وصفه [[أحمد الريسوني]] بـ«المعلم الثاني» في المقاصد،<ref>المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعة الاسلامیة، ص70.</ref> طرح همّ مقاصد الشريعة بكتاب «أليس الصبح بقريب».<ref>الریسونی، محاضرات فی المقاصد الشریعه، ص96.</ref>  
على الرغم من مرور سنوات طويلة على صدور الطبعة الأولى من كتاب ابن عاشور «[[مقاصد الشريعة الإسلامية (كتاب)|مقاصد الشريعة الإسلامية]]»، لا يزال الكتاب وآراء مؤلفه مصدرًا مهمًا في مجال مقاصد الشريعة، وموضوعًا للبحث والنقد والتحليل. ومن الكتب التي تناولت فكره «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور» و«الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية». وقد وصف [[أحمد الريسوني]] ابن عاشور بأنّه «المعلم الثاني» في المقاصد،<ref>الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص70.</ref> وكان ابن عاشور قد تناول أهمية مقاصد الشريعة في كتابه «أليس الصبح بقريب».<ref>الريسوني، محاضرات في مقاصد الشريعة، ص96.</ref>


ونظرية المقاصد، كما يكتب إسماعيل الحسني، تتجلى في نظر ابن عاشور في فكرة تحقق الصلاح الفردي والاجتماعي والعمراني، وطريقها إصلاح العالم عن طريق صلاح الإنسان المسيطر على العالم. وهذا المقصد حاكم على سائر المقاصد.<ref>الحسنی، نظریه المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.</ref> وقد عدّ بعضهم نظرية مقاصد ابن عاشور نهاية لعلم الأصول؛ لأنهم يعتقدون أنّ نظرية المقاصد عبور من النظرة التجزيئية (الجزئية) في فهم الأحكام ورؤيتها فردية إلى النظرة الاجتماعية والعامة.<ref>المیساوی، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعه الاسلامیه، ص46.</ref>
ووفقًا لما يكتبه إسماعيل الحسني، تتمحور نظرية المقاصد عند ابن عاشور حول تحقيق الصلاح الفردي والاجتماعي والعمراني، وذلك من خلال إصلاح العالم عبر إصلاح الإنسان الذي يتولى عمارته. ويشكّل هذا المقصد أساسًا يحكم سائر المقاصد.<ref>الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.</ref> وقد رأى بعض الباحثين أن نظرية ابن عاشور المقاصدية تمثل نهايةً لعلم الأصول؛ لأنها تنقل فهم الأحكام من النظرة التجزيئية والفردية إلى النظرة الاجتماعية والعامة.<ref>الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص46.</ref>


=== تصنيف المقاصد ===
=== تصنيف المقاصد ===
من تجديدات ابن عاشور، بحسب بيان أحمد الريسوني، أنه فتح ميداناً جديداً للنظرة المقاصدية يقع في الوسط بين المقاصد الكلية والجزئية.<ref>الریسونی، الذریعه الی مقاصد الشریعه، ص69.</ref> ويكتب الريسوني في أثر آخر له: مقاصد الشريعة ثلاثة أنواع؛ المقاصد الكلية والمقاصد الجزئية والمقاصد الخاصة.<ref>الریسونی، الفکر المقاصدی، قواعده و فوائده، ص15.</ref> وقد جاء الريسوني في تعريف المقاصد الخاصة بما يلي: المقاصد التي هي فوق المقاصد الجزئية ودون المقاصد الكلية وناظرة إلى تشريع معين.<ref>الریسونی، محاضرات فی مقاصد التشریع، ص97.</ref> ويرى ابن عاشور أنّ الحصول على المقاصد ممكن من ثلاث طرق: الاستقراء، والأدلة القرآنية الواضحة، والسنة المتواترة.<ref>الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.</ref>  
يرى أحمد الريسوني أنّ من تجديدات ابن عاشور فتح مجال جديد للنظر المقاصدي يقع بين المقاصد الكلية والجزئية.<ref>الريسوني، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، ص69.</ref> وفي مؤلَّف آخر، يذكر الريسوني أن مقاصد الشريعة ثلاثة أنواع: مقاصد كلية، ومقاصد جزئية، ومقاصد خاصة.<ref>الريسوني، الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، ص15.</ref> ويعرّف المقاصد الخاصة بأنها المقاصد التي تقع في مرتبة أعلى من المقاصد الجزئية وأدنى من المقاصد الكلية، وتتعلق بتشريع معين.<ref>الريسوني، محاضرات في مقاصد التشريع، ص97.</ref> ويرى ابن عاشور أن معرفة المقاصد ممكنة من خلال ثلاثة طرق: الاستقراء، والأدلة القرآنية الواضحة، والسنة المتواترة.<ref>الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.</ref>


ويرى إسماعيل الحسني، الذي حاول أن تكون له نظرة نقدية إلى نظرية ابن عاشور، أنّ الطرق التي اعتمد عليها ابن عاشور -في إثبات مقاصد الشريعة- لا تصل إلا إلى المقاصد الكلية؛ لأنها إما ترجع إلى الاستقراء، ... وإما إلى الأدلة القرآنية التي تدل على المقصد الكلي.<ref>الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.</ref> ويرى أنّ طرق إثبات المقاصد عند ابن عاشور لا تنحصر فيما عرضه في جزء صغير من كتاب المقاصد، بل إنّ التأمل في منهجية البحث يوصل الباحث إلى كشف طرق أخرى في إثبات المقاصد.<ref>الحسنی، نظریة المقاصد عند الامام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.</ref>
ويرى إسماعيل الحسني، الذي سعى إلى دراسة نظرية ابن عاشور دراسة نقدية، أن الطرق التي اعتمدها ابن عاشور لإثبات مقاصد الشريعة لا تفضي إلا إلى إثبات المقاصد الكلية؛ لأنها ترجع إما إلى الاستقراء، ... وإما إلى الأدلة القرآنية الدالة على مقصد كلي.<ref>الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.</ref> ويرى الحسني أيضًا أن طرق إثبات المقاصد عند ابن عاشور لا تقتصر على ما عرضه في قسم صغير من كتاب «المقاصد»، بل إن التأمل في منهجه البحثي يكشف للباحث عن طرق أخرى لإثباتها.<ref>الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.</ref>


===المقصدية وأضحية الحج ===
=== النظر المقاصدي والهدي في الحج ===
ابن عاشور من الفقهاء الذين أفتوا قبل سنوات، بالتمسك بعلم المقاصد والاستفادة من الآيات الإلهية، بالاستفادة المثلى من الأضحية في الحج، وأشار في ذيل [[الآية 37 من سورة الحج]] «لَن يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها»، مؤكداً على لزوم رعاية مقاصد الشارع من تشريع هذا الحكم وهي سدّ حاجة المحتاج بهذه الطريقة مع لزوم حفظ الأموال، إلى عدم رضا الشارع بتعطيل هذا الحكم، وقال: في نظري أنّ كلتا الحالتين، بيع الأضحية وشراءها أو تجميد الزائد على حاجة الناس في أيام الحج حتى يستفيد منه المحتاجون على مدار السنة، أوفق لمقاصد الشرع؛ لأنه يؤدي إلى منع إضاعة اللحوم الزائدة وحفظ أموال الناس.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج 16-17، ص268.</ref>
يُعدّ ابن عاشور من الفقهاء الذين أفتوا منذ سنوات طويلة بحسن الانتفاع بالهدي في الحج، مستندين في ذلك إلى علم المقاصد والآيات القرآنية. فعند تفسير [[الآية 37 من سورة الحج]]، «لَن يَنَالَ ... لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا»، يؤكد ضرورة مراعاة مقاصد الشارع من تشريع هذا الحكم، والمتمثلة في سدّ حاجة المحتاجين بهذه الوسيلة مع حفظ الأموال. كما يشير إلى أن الشارع لا يرضى بتعطيل هذا الحكم. ويرى أن بيع الهدي وشراءه، أو حفظ ما يزيد على حاجة الناس في أيام الحج حتى ينتفع به المحتاجون على مدار السنة، أكثر توافقًا مع مقاصد الشرع؛ إذ يمنع إهدار اللحوم الزائدة ويحفظ أموال الناس.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16–17، ص268.</ref>


== ابن عاشور وأسس النظام الاجتماعي للدين ==
== ابن عاشور وأسس النظام الاجتماعي للدين ==
يرى ابن عاشور ميدان الاجتماع والسياسة أحد هموم الدين، وخلافاً لأمثال [[علي عبد الرازق]] لا يعترف بالعلمانية. ويضع أسس النظام الاجتماعي للدين تحت فنّين: الفن الأول أساسه مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والاتحاد وحب النوع الإنساني، والفن الثاني قائم على [[المساواة]] و[[الحرية]] والحق والعدل و[[التسامح]] وغيرها.<ref>ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص122.</ref>  
يرى ابن عاشور أن المجالين الاجتماعي والسياسي من المجالات التي يهتم بها الدين، ولا يقرّ العلمانية، خلافًا لأشخاص مثل [[علي عبد الرازق]]. ويعرض أسس النظام الاجتماعي للدين في فنّين: يقوم الأول على مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والاتحاد وحبّ الآخرين، بينما يقوم الثاني على [[المساواة]] و<nowiki/>[[الحرية]] والحق والعدل و<nowiki/>[[التسامح]] وغيرها.<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص122.</ref>


وقد تحدث ابن عاشور في كتاب «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام»، بالنظر إلى نظرته الاجتماعية إلى الدين الإسلامي والحاكمية الدينية، عن الحكام وشروطهم وطرق انتخابهم بالتفصيل. وقد التفت إلى هذه النظرة في التفسير أيضاً. ومن ذلك أنه في تفسير [[الآية 59 من سورة النساء]] يرى أولي الأمر هم الذين فوّض الناس إليهم أمر حكومتهم.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص165.</ref> ويمكن أن يُفهم من هذه العبارة لابن عاشور أنه يرى طريقة الانتخاب شيئاً في سياق الديمقراطيات الحديثة؛ لكن حين يكون في مقام تبيين شروط الحكام لا يمكن عدّه موافقاً للأفكار الجديدة في الحكم؛ لأنّ أولي الأمر في نظره في نظر الشريعة طائفة معينة من القادة الدينيين للأمة المسلمة يجب أن تُوجد صفاتهم في الشريعة.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص166.</ref>  
وانطلاقًا من نظرته الاجتماعية إلى الإسلام والحكم الديني، تناول ابن عاشور في كتابه «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام» الحكام وشروط توليهم الحكم وطرق اختيارهم بالتفصيل. كما تناول هذه المسائل في تفسيره؛ فعند تفسير [[الآية 59 من سورة النساء]]، عدّ أولي الأمر الأشخاص الذين فوّض الناس إليهم أمر حكمهم.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص165.</ref> ويُفهم من هذه العبارة أنه يتبنى تصورًا لطريقة الاختيار ينسجم مع الديمقراطيات الحديثة. غير أنه لا يمكن اعتباره موافقًا تمامًا للأفكار الحديثة في الحكم عند النظر في الشروط التي يضعها للحكام؛ إذ يرى أن أولي الأمر، وفقًا للشريعة، فئة معينة من قادة الأمة المسلمين الدينيين، وأن صفاتهم تُستمد من الشريعة.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.</ref>


== الحكومة الدينية والحريات البشرية ==
== الحكم الديني والحريات الإنسانية ==
والضلع الآخر لفكر ابن عاشور السياسي هو عنايته بنطاق حاكمية الحكومات الدينية وكونها محدودة برعاية الحريات البشرية. ويعتقد أنّ أهم وظائف الحكومة الدينية رعاية المساواة والحرية وحفظ حقوق الناس والعدل والنظام المالي والدفاع عن البلد وغيرها. ويقسّم ابن عاشور الحرية في [[كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام]] إلى حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية القول وحرية السلوك.<ref>ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص170.</ref> ويقيّم، في مقام المفاضلة بين أنواع الحريات وتقديرها، حرية الاعتقاد بأنها أوسع أنواع الحريات؛ لأنّ نطاقها واسع ومعيارها الوحيد الأدلة والبراهين العقلية.<ref>ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص171.</ref>  
يتجلى جانب آخر من فكر ابن عاشور السياسي في اهتمامه بنطاق سلطة الحكومات الدينية، وضرورة تقييدها باحترام الحريات الإنسانية. ويرى أن من أهم وظائف الحكم الديني مراعاة المساواة والحرية، وحفظ حقوق الناس، وإقامة العدل، وتنظيم الشؤون المالية، والدفاع عن البلاد، وغيرها. ويقسّم الحرية في [[أصول النظام الاجتماعي في الإسلام (كتاب)|كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام]] إلى أربعة أنواع: حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية السلوك.<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص170.</ref> وعند المقارنة بين أنواع الحريات وتقييمها، يعدّ حرية الاعتقاد أوسعها نطاقًا؛ لاتساع مجالها، ولأن معيارها يقوم على الأدلة والبراهين العقلية وحدها.<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص171.</ref>


=== حرية الفكر والعمل ===
=== حرية الفكر والعمل ===
يعتقد ابن عاشور أنه لما كان العقل والتفكير جوهر الإنسان الأصلي، فإنّ حرية الفكر والقول تُعدّ من الحقوق المسلَّمة لجميع الناس، والتعدي على هذا الحق ظلم كبير للناس. ويتناول ابن عاشور، بشرحه أكثر مفهوم كل من هذه الحريات وزواياها، العلاقة بينها وبين المجتمع الديني ونسبتها إليه. ويقول في شأن الحرية في ميدان السلوك: إنّ تقييد هذا النوع من الحرية في حق غير المعصوم عسير جداً؛ ولذلك يجب على الولاة أن يحتاطوا، وألا يقدموا على تقييد الحريات بأكثر مما يؤدي إلى دفع الفساد وجلب المصلحة؛ لأنه ظلم.  
يرى ابن عاشور أن العقل والتفكير يمثلان جوهر الإنسان؛ ولذلك تعدّ حرية الفكر والتعبير من الحقوق الثابتة لجميع البشر، ويشكّل الاعتداء عليها ظلمًا عظيمًا لهم. ويشرح مفاهيم هذه الحريات وأبعادها، ويوضح علاقتها بالمجتمع الديني. أما في شأن حرية السلوك، فيرى أن تحديد حدودها أمر بالغ الصعوبة لغير المعصوم؛ ولذلك ينبغي للولاة توخي الحذر، وألا يقيّدوا الحريات بما يتجاوز دفع الفساد وجلب المصلحة، لأن تجاوز ذلك يُعدّ ظلمًا.


وقد بلغ ابن عاشور في الاعتقاد بالحريات البشرية إلى حدّ أنه يرى [[الآية 256 من سورة البقرة|آية لا إكراه في الدين]] ناسخة لآيات القتال؛ لأنّ الإسلام دين يجب أن يُختار بحرية واختيار. وأهمية هذه النقطة أنه في النظرية السياسية لكثير من أبناء مذهب ابن عاشور تكون الطاعة هي الأصل ومعارضة الحاكمية بحكم الخروج على خليفة الإسلام.  
ويمضي ابن عاشور في تأكيد الحريات الإنسانية إلى حدّ اعتبار [[الآية 256 من سورة البقرة|آية «لا إكراه في الدين»]] ناسخةً لآيات القتال؛ انطلاقًا من أنّ الإسلام دين ينبغي اختياره بحرية وإرادة. وتبرز أهمية هذا الرأي في أنّ الطاعة تمثّل أصلًا في النظرية السياسية لدى كثير ممن يشاركون ابن عاشور انتماءه الديني، وأن معارضة السلطة تُعدّ خروجًا على خليفة المسلمين.


=== المكانة الحكومية للنبي(ص) ===
=== موقع النبي (ص) في الحكم ===
ظهر الاعتقاد بوجود الحريات البشرية في المنظومة الفكرية لابن عاشور بوضوح، إلى حدّ أنه يعتقد أنّ النبي(ص) أيضاً بشر مثلنا وما عنده ليس منه؛ بل يُوحى إليه. ويرى أنّ النبي لم يُنتخب عالماً ليتولى الإجابة عن أسئلة الناس؛ بل له علم مماثل لعلم الآخرين، والله يوحي إليه في ميدان التوحيد والتشريع ما يراه مصلحة ليبلّغه إلى الناس. ويقول بصراحة إنّ الأمر بطاعة الله والرسول أمر بطاعة الشريعة، وإنّ أوامر النبي(ص) في دائرة الأمور الشرعية مطاعة، وفي الأمور الاجتماعية لا يستتبع عدم الطاعة عصياناً.<ref>ابن‌عاشور، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام، ص174.</ref>  
يتجلى الإيمان بالحريات الإنسانية بوضوح في منظومة ابن عاشور الفكرية؛ إذ يرى أنّ النبي (ص) بشر مثلنا، وأنّ ما يتلقاه في هذا المجال ليس من عنده، بل يُوحى إليه. ووفقًا للعرض الوارد هنا لفكره، لم يُختَر النبي بوصفه عالمًا يتولى الإجابة عن جميع أسئلة الناس، بل إنّ معرفته البشرية من جنس معارف غيره. ويوحي الله إليه، في مجال التوحيد والتشريع، بما يراه مصلحة ليبلّغه إلى الناس. ويصرّح ابن عاشور بأن الأمر بطاعة الله ورسوله هو أمر بطاعة الشريعة، وأن أوامر النبي (ص) تُطاع في نطاق الأمور الشرعية، أما عدم طاعته في الأمور الاجتماعية فلا يترتب عليه عصيان.<ref>ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص174.</ref>


=== انتخاب الحاكم من قِبل الناس ===
=== اختيار الحاكم من قبل الناس ===
يرى ابن عاشور الحكومة الإسلامية حكومة ديمقراطية مبنية على قواعد دينية مأخوذة من الأصول القرآنية والسنة النبوية وآراء الفقهاء. ويرى أنّ الحاكمية الدينية ليست وراثية ولا شخصية، وأنّ الطريق الوحيد لانتخاب الحاكم هو آراء جمهور الناس. ويشير، في مقام جعل هذه النظرية تطبيقية، إلى كيفية انتخاب الحاكم الإسلامي ويوكلها في النهاية إلى الناس، ويقول: لما دعانا الله إلى طاعة «أولي الأمر» نفهم أنهم في نظر الشريعة أفراد خاصون. وهم قادة الأمة والأمناء عليها. وثبوت هذه الصفة لهم أيضاً يجب أن يكون مستنداً إلى الشرع. وطريق الإثبات الشرعي لصفة «أولي الأمر» إما بواسطة الخليفة وإما جماعة المسلمين (أهل الحل والعقد).<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص166.</ref>  
يرى ابن عاشور أن الحكم الإسلامي حكم ديمقراطي يقوم على قواعد دينية مستمدة من الأصول القرآنية والسنة النبوية وآراء الفقهاء. كما يرى أن الحكم الديني ليس وراثيًا ولا شخصيًا، وأن اختيار الحاكم يتم وفق آراء جمهور الناس. ولتطبيق هذه النظرية، يتناول كيفية اختيار الحاكم الإسلامي، ويجعل هذه المسؤولية في نهاية المطاف على عاتق الناس. ويقول إن دعوة الله إلى طاعة «أولي الأمر» تدل على أنهم أشخاص مخصوصون في نظر الشريعة، وهم قادة الأمة وأمناؤها، ولا بد من أن يستند ثبوت هذه الصفة لهم إلى الشرع. ويكون إثبات صفة «أولي الأمر» شرعًا إما بواسطة الخليفة، وإما بواسطة جماعة المسلمين، أي أهل الحل والعقد.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.</ref>
=== عدّ حكم الرق في الإسلام مؤقتاً ===
يتجه تحليل ابن عاشور للرق، بالنظر إلى مبانيه الفكرية، نحو نفي الرق بإزالة أسبابه. ويرى أنّ ما جرى في صدر الإسلام في شأن الرق كان استراتيجية مرحلية متناسبة مع عرب عصر النزول لا أكثر. وبحسب قوله فقد صرف الإسلام جهده إلى إزالة جميع عوامل الرق، ولم يبقَ إلا عامل الأسر في الحرب، وذلك لما كان له من آثار إيجابية للمجتمع الإسلامي، ويقيّمه أيضاً نوعاً من التكتيك الرادع، ويعتقد أنّ الإسلام عوّض حتى هذا المقدار بالطرق المختلفة التي فتحها لتحرير الأرقاء.


==نقد الآثار والآراء ودراستها==
=== اعتبار حكم الرق في الإسلام مؤقتًا ===
لمكانة ابن عاشور في ميادين التفسير والفقه والأصول والمقصدية ونقد النظرات العلمانية إلى العلاقة بين الدين والسياسة، حظي باهتمام أصحاب النظر، وقوبلت آثاره وآراؤه بنظرة نقدية. و''نقد الفكر المقاصدي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور'' لمحمد المدنيني، ومجموعة مقالات بعنوان ''مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور''، وكتاب ''فقه الإنسان'' لعمرو الشاعر، و''منهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير»'' لنبيل أحمد صقر، و''مدخل إلى العقل الأصولي للإمام الطاهر بن عاشور'' تأليف عبد الفتاح بن اليماني الزويني نماذج من الآثار والعلماء الذين درسوا تراث ابن عاشور بنظرة نقدية.  
ينطلق ابن عاشور في تحليله لقضية الرق من أسسه الفكرية، متجهًا نحو إلغائه عبر إزالة أسبابه. ويرى أن ما اتُّخذ في صدر الإسلام من تدابير بشأن الرق لم يكن إلا معالجةً مرحليةً اقتضتها أحوال العرب في عصر النزول. وبحسب رأيه، بذل الإسلام جهده لإزالة جميع أسباب الرق، ولم يُبقِ إلا الأسر في الحرب، لما كان له من آثار إيجابية في المجتمع الإسلامي. كما ينظر إلى هذا السبب بوصفه تدبيرًا ردعيًا، ويرى أن الإسلام عوّض عنه بفتح طرق متعددة لتحرير الرقيق.


===عدم الالتفات إلى تاريخية مقاصد الشريعة ===
== نقد المؤلفات والآراء ودراستها ==
تقوم نظرة ابن عاشور المقاصدية على المقاصد المتشكلة في منظومة السنة التاريخية للمسلمين. كما فعل سائر العلماء المقاصديين أيضاً. وفي هذه النظرة قد أُهمل في الواقع الالتفات إلى تاريخية المقاصد المتشكلة في فكر المسلمين. وبقي موضع هذا السؤال: ألا يمكن في مرور الزمن إعادة قراءة المقاصد وتجديدها؟
حظي ابن عاشور باهتمام الباحثين لمكانته في التفسير والفقه وأصول الفقه والفكر المقاصدي، فضلًا عن نقده للرؤى العلمانية بشأن العلاقة بين الدين والسياسة. ولذلك خضعت مؤلفاته وآراؤه للدراسة النقدية. ومن المؤلفات التي تناولت تراثه من منظور نقدي: ''نقد الفكر المقاصدي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور'' لمحمد المدنيني، ومجموعة المقالات المعنونة ''مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور''، وكتاب ''فقه الإنسان'' لعمرو الشاعر، و''منهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير»'' لنبيل أحمد صقر، و''مدخل إلى العقل الأصولي للإمام الطاهر بن عاشور'' لعبد الفتاح بن اليماني الزويني.


فعلى سبيل المثال، يستند ابن عاشور في بحث تعدد الزوجات، بالنظر إلى نظرته المقصدية، إلى أصل التوسع في الشريعة وعدم التشدد على الناس، ويكتب: لما حرّم الإسلام الزنا وتشدد كثيراً في تحريم ما يؤدي إلى الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام الأسرة، فتح من جهة أخرى مجالاً جديداً لمن يحتاجون إلى التعدد.<ref>ابن‌عاشور، التحریر و التنویر، ج4، ص226. </ref> لكن من الواضح أنّ ابن عاشور غافل تماماً عن النساء بوصفهن الطرف الآخر من هذا الحكم والتكليف. في حين أنه يمكن أن نصل إلى الاعتقاد بأنه يجب أن تُرى المقاصد فوق الجنسين بل عامة. وبعبارة أخرى، لو كانت لهذه الآية مقاصد فيجب أن تُلحظ فيها جبلّة الرجال وجبلّة النساء معاً، ولذلك فإنّ التطرق إلى طرف واحد من هذا البحث قد يستتبع تحديات.
=== إغفال تاريخية مقاصد الشريعة ===
إنّ النظر المقاصدي عند ابن عاشور يستند إلى مقاصد تشكّلت ضمن منظومة التراث التاريخي للمسلمين، شأنه في ذلك شأن غيره من العلماء المقاصديين. ومن هذا المنظور النقدي، يغفل هذا الاتجاه البعد التاريخي للمقاصد التي تشكّلت في الفكر الإسلامي. وهنا يبرز السؤال: ألا يمكن إعادة قراءة المقاصد وتجديدها مع مرور الزمن؟


==الهوامش==
ومن الأمثلة على ذلك أن ابن عاشور، في بحثه تعدّد الزوجات، ينطلق من نظرته المقاصدية إلى أصل التوسعة في الشريعة وعدم التشديد على الناس. ويكتب أن الإسلام، بعد أن حرّم الزنا وشدّد في تحريم ما يؤدي إلى فساد الأخلاق والأنساب ونظام الأسرة، فتح من جهة أخرى مجالًا أوسع لمن يحتاجون إلى تعدد الزوجات.<ref>ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص226.</ref> غير أنّ كاتب المقال يرى أن ابن عاشور أغفل النساء بوصفهن الطرف الآخر في هذا الحكم والتكليف. وفي المقابل، يمكن القول بضرورة النظر إلى المقاصد بوصفها عامة ومتجاوزة للتمييز بين الجنسين. وبعبارة أخرى، إذا كانت لهذه الآية مقاصد، فينبغي أن تُراعى فيها جبلة الرجال وجبلة النساء معًا؛ ولذلك فإن الاقتصار على أحد جانبي المسألة قد يثير تحديات.
 
== الهوامش ==
{{مراجع}}
{{مراجع}}
==المصادر==
 
== المصادر ==
{{مصادر}}
{{مصادر}}
* ابن‌عاشور، محمدطاهر، اصول النظام الاجتماعی فی الاسلام (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، الجزائر، المؤسسة الوطنیه للکتاب، چاپ دوم، بی‌تا.
* ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الثانية، د.ت.
* ابن‌عاشور، محمدطاهر، التحریر و التنویر (التحرير والتنوير)، موسسه التاریخ، بیروت، 1420ق.
* ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، بيروت، مؤسسة التاريخ، 1420هـ.
* ابن‌عاشور، محمدطاهر، مقاصد الشریعة الاسلامیة (مقاصد الشريعة الإسلامية)، مقدمه: محمدطاهر المیساوی اردن، دارالنفائس، 1421ق.
* ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تقديم: محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.
* ابن‌عاشور، محمدطاهر، نقدٌ علمی لکتاب الاسلام و اصول الحکم (نقدٌ علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم)، قاهره، المطبعة السلفیه، 1344ق.
* ابن عاشور، محمد الطاهر، نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344هـ.
* ابن‌عاشور، محمدفاضل، الحرکة الادبیة و الفکریة فی التونس (الحركة الأدبية والفكرية في تونس)، جامعة الدول العربیه، 1955م.
* ابن عاشور، محمد الفاضل، الحركة الأدبية والفكرية في تونس، جامعة الدول العربية، 1955م.
* الحسنی، اسماعیل، نظریه المقاصد عندالامام محمد طاهر بن عاشور (نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور)، المعهد العالمی للفکر الاسلامی، فیرجینیا، 1416ق.
* الحسني، إسماعيل، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ.
* الریسونی، احمد، محاضرات فی المقاصد الشریعه (محاضرات في مقاصد الشريعة)، دارالکلمه، قاهره، 2014م.
* الريسوني، أحمد، محاضرات في مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2014م.
* الریسونی؛ احمد، الذریعه الی مقاصد الشریعه (الذريعة إلى مقاصد الشريعة)، دارالکلمه، قاهره، 2016م.
* الريسوني، أحمد، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2016م.
* الزلمی، مصطفی ابراهیم، اسباب اختلاف الفقهاء فی الاحکام الشرعیة (أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية)، نشر احسان، کردستان عراق، 1435ق.
* الزلمي، مصطفى إبراهيم، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، كردستان العراق، دار نشر إحسان، 1435هـ.
* الزهرانی، خالد بن احمد، موقف الطاهر بن عاشورمن الامامیه الاثنی عشریه (موقف الطاهر بن عاشور من الإمامية الاثني عشرية)، مرکز المغرب العربی للدراسات و التدریب، 1431ق.  
* الزهراني، خالد بن أحمد، موقف الطاهر بن عاشور من الإمامية الاثني عشرية، مركز المغرب العربي للدراسات والتدريب، 1431هـ.
* شفیعی، علی، «روش‌شناسی تفسیر در مغرب اسلامی» (منهجية التفسير في المغرب الإسلامي)، پژوهش و حوزه (البحث والحوزة)، قم، ش33، 1387ش.  
* شفيعي، علي، «روش‌شناسي تفسير در مغرب اسلامي» (منهجية التفسير في المغرب الإسلامي)، مجلة «پژوهش وحوزه»، قم، العدد 33، 2008م.
* صقر، نبیل أحمد، منهج الامام الطاهر بن عاشور فی التفسیر «التحریر و التنویر» (منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير «التحرير والتنوير»)، الدارالمصریة، 1422ق.
* صقر، نبيل أحمد، منهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير»، الدار المصرية، 1422هـ.
* عباس، فضل حسن، دراسات اسلامیة و عربیة (دراسات إسلامية وعربية)، «الترجیح الفقهی فی التفسیر الشیخ الامام ابن‌عاشور (الترجيح الفقهي في تفسير الشيخ الإمام ابن عاشور)»، اردن، دار سراج للدعایة و الاعلان، 1423ق.
* عباس، فضل حسن، دراسات إسلامية وعربية، «الترجيح الفقهي في تفسير الشيخ الإمام ابن عاشور»، الأردن، دار سراج للدعاية والإعلان، 1423هـ.
* عنبوری، حمید، «مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور فی تفسیر التحریر و التنویر»، دارالحدیث الحسنیه، شماره 13، 1417ق.
* عنبوري، حميد، «مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير»، دار الحديث الحسنية، العدد 13، 1417هـ.
* الغالی، بلقاسم، شیخ الجامع الاعظم محمد الطاهر ابن‌عاشور: حیاته و آثاره (شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور: حياته وآثاره)، بیروت، دار ابن‌حزم، 1417ق.
* الغالي، بلقاسم، شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور: حياته وآثاره، بيروت، دار ابن حزم، 1417هـ.
* الفاسی، علال، مقاصد الشریعة الاسلامیة و مکارمها (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها)، مؤسسة علال الفاسی دارالمغرب، 1993م.  
* الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مؤسسة علال الفاسي، دار المغرب، 1993م.
* فراج حسین، احمد و عبدالودود محمد السریتی، النظریات العامه فی الفقه الاسلامی و تاریخه (النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه)، بیروت، دار النهضه العربیه، 1992م.  
* فراج حسين، أحمد، وعبد الودود محمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، بيروت، دار النهضة العربية، 1992م.
* مهریزی، مهدی، مقاصد شریعت از نگاه ابن‌عاشور (مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور) (ترجمه: نظریة المقاصد عند الامام محمدطاهر بن عاشور، اسماعیل الحسنی)، تهران، صحیفه خرد، 1383ش.
* مهريزي، مهدي، مقاصد شريعت از نگاه ابن‌عاشور (مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور)، طهران، صحيفه خرد، 2005م.
* المیساوی، محمد الطاهر، الشیخ محمد الطاهر بن عاشور و کتابه المقاصد الشریعه الاسلامیه (الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية)، عمان، دار النفائس، 1999م.
* الميساوي، محمد الطاهر، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، عمّان، دار النفائس، 1999م.
* المیساوی، محمد طاهر، جمهرة مقالات و رسائل ابن عاشور (جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور)، دارالنفائس، اردن، 1436ق.
* الميساوي، محمد الطاهر، جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور، الأردن، دار النفائس، 1436هـ.
{{نهاية}}
{{نهاية}}


[[تصنيف:مقالات التعريف بالشخصيات]]
[[تصنيف:مقالات التعريف بالشخصيات]]
[[en:Muhammad al-Tahir ibn Ashur]]
[[en:Muhammad al-Tahir ibn Ashur]]
[[ar:محمد الطاهر بن عاشور]]
[[fa:محمدطاهر بن عاشور]]
[[fa:محمدطاهر بن عاشور]]

المراجعة الحالية بتاريخ ١٤:٥٧، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦

مؤلف: علي شفيعي



ابن عاشور
الاسممحمد الطاهر بن عاشور
العمر1879م/ 1296هـ - 1973م/ 1393هـ
المذهبمالكي
الجنسيةتونس
التخصصالفقه والأصول والتفسير
  • الملخص

محمد الطاهر بن عاشور (1296–1393هـ) مفسّر وفقيه تونسي، وأحد المنظّرين في مقاصد الشريعة، اشتهر في العالم الإسلامي بكتابه «مقاصد الشريعة» وتفسيره «التحرير والتنوير». كان ابن عاشور أشعريّ العقيدة، مالكيّ المذهب، ويُعدّ من أبرز العلماء الإصلاحيين الذين أسهموا في إحداث تحولات وتجديدات في المجالات العلمية والاجتماعية في تونس.

كان ابن عاشور يرى أنّ الإسلام دين يقوم على السماحة والتسامح، وأنّ له مجالًا للحضور في الحياة الاجتماعية والسياسية؛ ومن هذا المنطلق، تعامل مع النصوص الوحيانية. كما انتقد المسلمين العلمانيين الذين يحصرون الإسلام في نطاق محدود، ولم يرَ أنّ الإسلام منفصل عن مجال الحكم.

وانطلاقًا من توجهه الإصلاحي، رأى ابن عاشور أنّ الفقه قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر. وسعى إلى تحقيق ذلك من خلال الاهتمام بمقاصد الشارع، والإيمان بما تتيحه السماحة والتيسير، وقابلية الأحكام الاجتماعية للتعليل. وعلى هذا الأساس، أعاد النظر في أحكام متعددة، منها الهدي في الحج، وضرب النساء، وبنية الحكم، والمشقة في الصيام، وطرح بشأنها آراء جديدة.

طرح ابن عاشور مقاصد الشريعة سبيلًا لتجديد أصول الفقه، وربما بوصفها علمًا يمكن أن يحلّ محلّه. وسعى، من خلال نظرية المقاصد، إلى الانتقال من النظرة التجزيئية والفردية في فهم الأحكام إلى نظرة اجتماعية وكلية. ومع ذلك، لم تغب تجديداته في الفكر المقاصدي والتفسير، ونظرته الاجتماعية إلى التعاليم الدينية، عن أنظار النقاد؛ إذ حاول بعض الباحثين تحليل الآثار الإيجابية والسلبية لتراثه الفكري.

التعريف بشخصية ابن عاشور

وُلد محمد الطاهر بن عاشور (1879–1973م)، شيخ الإسلام المالكي في تونس وشيخ جامع الزيتونة، في «المرسى»، إحدى المناطق الشمالية في تونس. حفظ القرآن، وتعلّم اللغة الفرنسية أيضًا. ويُعدّ باحثًا وأديبًا ومفسّرًا وأصوليًا ومنظّرًا في مقاصد الشريعة والنظام الاجتماعي والسياسي للدين.[١] وحصل على إجازة الاجتهاد من أربعة من أساتذته. كما تأثر بالتحول الفكري الذي أحدثه مفكرون مثل جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده، فأصبح من أبرز رواد التغيير في مجتمعه. وتوفي يوم السبت، 13 رجب 1394هـ.

مؤلفات ابن عاشور

ألّف ابن عاشور العديد من الكتب في مجالات متنوعة، وكان التجديد قاسمًا مشتركًا بينها. وله نحو 38 مؤلَّفًا منشورًا، فضلًا عن مؤلفات كثيرة لم تُنشر.[٢] ومن أبرز مؤلفاته التي تعكس أفكاره بشأن مشكلات المسلمين المعاصرة:

  1. تفسير التحرير والتنوير: تُعدّ هذه الموسوعة العلمية القرآنية من أبرز آثاره الباقية، ومن التفاسير المهمة في العصر الحديث. وقد أُلّفت وفق منهج تفسير القرآن بالقرآن.[٣] ومن مرتكزاتها المنهجية الاهتمام بالأحاديث والشعر واللغة والإعراب والبلاغة وغيرها، وهو ما عبّر عنه بعض الباحثين بمفهوم «الدراية».[٤] وقد أُنجز هذا التفسير وفق توجه إصلاحي، مع مراعاة أسئلة العصر وتحدياته.
  2. مقاصد الشريعة الإسلامية: يبيّن ابن عاشور في هذا الكتاب مكانة علم مقاصد الشريعة في الفقه، ويطرح اقتراحًا بإحلال هذا العلم محل علم أصول الفقه.
  3. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: يتناول ابن عاشور في هذا المؤلَّف العوامل التي أسهمت في تقدم المجتمع الإسلامي الأول، والعوامل التي أدت إلى ركوده. ويؤكد انسجام أسس النظام الاجتماعي مع الفطرة البشرية، ويعدّ الاعتدال وسعة الأفق والتمحور حول الحق والطابع الاعتباري من خصائص هذا النظام.
  4. نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: يؤكد ابن عاشور في هذا الكتاب أن الدين لا ينفصل عن السياسة، وينتقد الفكر الداعي إلى الفصل بينهما، كما طرحه أشخاص مثل علي عبد الرازق.

ابن عاشور وتهيئة الفقه للحضور في العالم الحديث

يتسم الفقه المالكي بخصائص تجعل التجديد فيه أيسر مقارنةً بالمذاهب الأخرى. ومن هذه الخصائص: (أ) المرونة في الأصول، (ب) الاهتمام بمقاصد الشريعة، (ج) مراعاة المصالح في الأحكام الاجتماعية، (د) الاهتمام بمسائل مثل «الخلاف» و«مكانة العرف» ونحوها. وتسهم هذه الخصائص في تعزيز القدرة الفكرية وتوسيع آفاق فقهاء هذا المذهب.[٥]

وتعود بعض تجديدات ابن عاشور الفقهية إلى انتمائه المذهبي، في حين يرتبط بعضها الآخر بطبيعة نظرته إلى الشريعة والدين.

الانفتاح الفكري ونبذ التعصب

من الموضوعات التي اهتم بها ابن عاشور في تفسير آيات الأحكام الانفتاح الفكري ونبذ التعصب الفقهي،[٦] وهو اهتمام يرتبط بانتمائه إلى الفقه المالكي. وتُعدّ هذه السمة من خصائص المدرسة التفسيرية في الغرب الإسلامي،[٧] كما عُدّت من خصائص المذهب المالكي.[٨]

التوسع في الاستفادة من المصالح المرسلة

يعمل مالك بالمصالح المرسلة أكثر من غيره من الأئمة، ويدعو إلى التوسع في الاستفادة منها.[٩] وقد تناول ابن عاشور مسألة المصلحة في الشريعة بالتفصيل في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وقسّمها إلى عامة وخاصة. فالمصلحة العامة عنده هي كل ما يحقق صلاح عموم الناس، أما المصلحة الخاصة فهي ما يتحقق به صلاح الأفراد، بصرف النظر عن حالتهم الاجتماعية.[١٠]

نظرية السماحة والتيسير في الشريعة

من الأسس الأخرى التي اعتمدها ابن عاشور في تفسير آيات الأحكام إيمانه بالسماحة والتيسير. وقد عدّ السماحة، في تفسيره وسائر مؤلفاته، من أهم الركائز النظرية للإسلام، ومن الأسس الجوهرية للشريعة.

مفهوم السماحة ومكانتها في الإسلام عند ابن عاشور

يرى ابن عاشور أن السماحة والرفق بالمؤمنين من أولى خصائص الشريعة الإسلامية وأعظم مقاصدها،[١١] ويستدل على صحة هذا التصور بآيات قرآنية، منها البقرة: 85، والحج: 78، والمائدة: 6، فضلًا عن عدد من الروايات عن النبي (ص).[١٢] ويعدّ السماحة من لوازم كون الإسلام دين الفطرة، ويصرّح بأن أبرز ما يميز الإسلام عن الأديان الأخرى قيامه على الفطريات.[١٣] ويرى أن السماحة منزلة وسطى بين التشدد والتفريط، وترتبط بمعنى الاعتدال والوسطية.[١٤]

وللسماحة، في نظر ابن عاشور، أثر بالغ في انتشار الشريعة واستمرارها. ومن خلال جمع هذه الأدلة، يستنتج أنها من أهم المباحث الدينية.[١٥] كما يرى أن الشريعة الإلهية تتصف بالسماحة والابتعاد عن العنف، وتجمع بين الثبات والتغير في التشريع، وتؤكد المساواة والحرية.[١٦]

تطبيق السماحة على أحكام الصيام

انطلاقًا من مبدأ السماحة في الشريعة، واستنادًا إلى لفظ «يطيقون» الوارد في الآية 184 من سورة البقرة، يرى ابن عاشور جواز الإفطار لكل من يشق عليه الصيام أو يخشى أن يلحق به ضررًا، ومنهم المسنون والمرضعات والحوامل. ويختلف تطبيق هذا الحكم باختلاف الأمزجة وأوقات الصيام ومهن الصائمين؛ ولذلك يُلحق أصحاب المهن والأعمال الشاقة بالمسنين والمرضعات والحوامل في هذا الحكم.[١٧]

قابلية الأحكام للتعليل بوصفه مدخلًا لمواكبة العقلانية المعاصرة

من العوامل المؤثرة في مراعاة المصالح وإضفاء الطابع العقلاني على الفقه مدى الالتزام بظواهر الأحكام، أو إتاحة المجال لتعليلها. ويُعدّ ابن عاشور من العلماء الذين قبلوا تعليل الأحكام.[١٨]

أسّس ابن عاشور نظريته في مقاصد الشريعة على ثلاثة مرتكزات عقلية: الفطرة، والمصلحة، والتعليل. وربط عقلانية التفكير الديني في مجال التشريعات بالقول بتعليل الأحكام، وعبّر عن ذلك بمفهوم «معقولية التشريع».[١٩] ويرى أن إنكار التعليل يؤدي إلى الجمود على ظواهر الألفاظ الشرعية في الاستدلال، وهو ما يفضي إلى عجز الشريعة عن إثبات الأحكام في الوقائع المستجدة. كما يخشى أن ينتهي هذا الموقف إلى إنكار صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.[٢٠]

ويعدّ ابن عاشور جميع أحكام العبادات والمعاملات، باستثناء الأحكام التعبدية المحضة، قابلةً للتعليل، ويرى أن الاجتهاد يتيح الوصول إلى عللها.[٢١] وقد دفعت هذه النظرية بعض المفكرين إلى انتقاده، بسبب سعيه إلى البحث عن العلل حتى في أدق المسائل الفقهية.[٢٢]

في مسألة ضرب النساء

عند تناوله مسألة ضرب النساء في تفسير الآية 34 من سورة النساء، يؤكد ابن عاشور أنّه لا يمكن الاستدلال على جواز ضرب الزوجة على نحو مطلق، انطلاقًا من حكم ورد في سياق النشوز أو سلوك مستهجن وفق العرف العربي؛ إذ جاء هذا الحكم مراعيًا لأعراف المجتمع العربي آنذاك، مع مراعاة اختلاف أحوال الناس. وللحيلولة دون إساءة الرجال استعمال هذا الحكم، يشير في تفسيره إلى دور السلطة، مؤكدًا أن «قلّ من يعاقب على قدر الذنب». ويرى أن السلطة تستطيع، منعًا لإساءة استعمال هذه الأحكام، أن تتولى تنفيذها بنفسها، وأن تعاقب كل من يقدم على تنفيذها من تلقاء نفسه.[٢٣]

ابن عاشور ومقاصد الشريعة

على الرغم من مرور سنوات طويلة على صدور الطبعة الأولى من كتاب ابن عاشور «مقاصد الشريعة الإسلامية»، لا يزال الكتاب وآراء مؤلفه مصدرًا مهمًا في مجال مقاصد الشريعة، وموضوعًا للبحث والنقد والتحليل. ومن الكتب التي تناولت فكره «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور» و«الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية». وقد وصف أحمد الريسوني ابن عاشور بأنّه «المعلم الثاني» في المقاصد،[٢٤] وكان ابن عاشور قد تناول أهمية مقاصد الشريعة في كتابه «أليس الصبح بقريب».[٢٥]

ووفقًا لما يكتبه إسماعيل الحسني، تتمحور نظرية المقاصد عند ابن عاشور حول تحقيق الصلاح الفردي والاجتماعي والعمراني، وذلك من خلال إصلاح العالم عبر إصلاح الإنسان الذي يتولى عمارته. ويشكّل هذا المقصد أساسًا يحكم سائر المقاصد.[٢٦] وقد رأى بعض الباحثين أن نظرية ابن عاشور المقاصدية تمثل نهايةً لعلم الأصول؛ لأنها تنقل فهم الأحكام من النظرة التجزيئية والفردية إلى النظرة الاجتماعية والعامة.[٢٧]

تصنيف المقاصد

يرى أحمد الريسوني أنّ من تجديدات ابن عاشور فتح مجال جديد للنظر المقاصدي يقع بين المقاصد الكلية والجزئية.[٢٨] وفي مؤلَّف آخر، يذكر الريسوني أن مقاصد الشريعة ثلاثة أنواع: مقاصد كلية، ومقاصد جزئية، ومقاصد خاصة.[٢٩] ويعرّف المقاصد الخاصة بأنها المقاصد التي تقع في مرتبة أعلى من المقاصد الجزئية وأدنى من المقاصد الكلية، وتتعلق بتشريع معين.[٣٠] ويرى ابن عاشور أن معرفة المقاصد ممكنة من خلال ثلاثة طرق: الاستقراء، والأدلة القرآنية الواضحة، والسنة المتواترة.[٣١]

ويرى إسماعيل الحسني، الذي سعى إلى دراسة نظرية ابن عاشور دراسة نقدية، أن الطرق التي اعتمدها ابن عاشور لإثبات مقاصد الشريعة لا تفضي إلا إلى إثبات المقاصد الكلية؛ لأنها ترجع إما إلى الاستقراء، ... وإما إلى الأدلة القرآنية الدالة على مقصد كلي.[٣٢] ويرى الحسني أيضًا أن طرق إثبات المقاصد عند ابن عاشور لا تقتصر على ما عرضه في قسم صغير من كتاب «المقاصد»، بل إن التأمل في منهجه البحثي يكشف للباحث عن طرق أخرى لإثباتها.[٣٣]

النظر المقاصدي والهدي في الحج

يُعدّ ابن عاشور من الفقهاء الذين أفتوا منذ سنوات طويلة بحسن الانتفاع بالهدي في الحج، مستندين في ذلك إلى علم المقاصد والآيات القرآنية. فعند تفسير الآية 37 من سورة الحج، «لَن يَنَالَ ... لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا»، يؤكد ضرورة مراعاة مقاصد الشارع من تشريع هذا الحكم، والمتمثلة في سدّ حاجة المحتاجين بهذه الوسيلة مع حفظ الأموال. كما يشير إلى أن الشارع لا يرضى بتعطيل هذا الحكم. ويرى أن بيع الهدي وشراءه، أو حفظ ما يزيد على حاجة الناس في أيام الحج حتى ينتفع به المحتاجون على مدار السنة، أكثر توافقًا مع مقاصد الشرع؛ إذ يمنع إهدار اللحوم الزائدة ويحفظ أموال الناس.[٣٤]

ابن عاشور وأسس النظام الاجتماعي للدين

يرى ابن عاشور أن المجالين الاجتماعي والسياسي من المجالات التي يهتم بها الدين، ولا يقرّ العلمانية، خلافًا لأشخاص مثل علي عبد الرازق. ويعرض أسس النظام الاجتماعي للدين في فنّين: يقوم الأول على مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والاتحاد وحبّ الآخرين، بينما يقوم الثاني على المساواة والحرية والحق والعدل والتسامح وغيرها.[٣٥]

وانطلاقًا من نظرته الاجتماعية إلى الإسلام والحكم الديني، تناول ابن عاشور في كتابه «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام» الحكام وشروط توليهم الحكم وطرق اختيارهم بالتفصيل. كما تناول هذه المسائل في تفسيره؛ فعند تفسير الآية 59 من سورة النساء، عدّ أولي الأمر الأشخاص الذين فوّض الناس إليهم أمر حكمهم.[٣٦] ويُفهم من هذه العبارة أنه يتبنى تصورًا لطريقة الاختيار ينسجم مع الديمقراطيات الحديثة. غير أنه لا يمكن اعتباره موافقًا تمامًا للأفكار الحديثة في الحكم عند النظر في الشروط التي يضعها للحكام؛ إذ يرى أن أولي الأمر، وفقًا للشريعة، فئة معينة من قادة الأمة المسلمين الدينيين، وأن صفاتهم تُستمد من الشريعة.[٣٧]

الحكم الديني والحريات الإنسانية

يتجلى جانب آخر من فكر ابن عاشور السياسي في اهتمامه بنطاق سلطة الحكومات الدينية، وضرورة تقييدها باحترام الحريات الإنسانية. ويرى أن من أهم وظائف الحكم الديني مراعاة المساواة والحرية، وحفظ حقوق الناس، وإقامة العدل، وتنظيم الشؤون المالية، والدفاع عن البلاد، وغيرها. ويقسّم الحرية في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام إلى أربعة أنواع: حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية السلوك.[٣٨] وعند المقارنة بين أنواع الحريات وتقييمها، يعدّ حرية الاعتقاد أوسعها نطاقًا؛ لاتساع مجالها، ولأن معيارها يقوم على الأدلة والبراهين العقلية وحدها.[٣٩]

حرية الفكر والعمل

يرى ابن عاشور أن العقل والتفكير يمثلان جوهر الإنسان؛ ولذلك تعدّ حرية الفكر والتعبير من الحقوق الثابتة لجميع البشر، ويشكّل الاعتداء عليها ظلمًا عظيمًا لهم. ويشرح مفاهيم هذه الحريات وأبعادها، ويوضح علاقتها بالمجتمع الديني. أما في شأن حرية السلوك، فيرى أن تحديد حدودها أمر بالغ الصعوبة لغير المعصوم؛ ولذلك ينبغي للولاة توخي الحذر، وألا يقيّدوا الحريات بما يتجاوز دفع الفساد وجلب المصلحة، لأن تجاوز ذلك يُعدّ ظلمًا.

ويمضي ابن عاشور في تأكيد الحريات الإنسانية إلى حدّ اعتبار آية «لا إكراه في الدين» ناسخةً لآيات القتال؛ انطلاقًا من أنّ الإسلام دين ينبغي اختياره بحرية وإرادة. وتبرز أهمية هذا الرأي في أنّ الطاعة تمثّل أصلًا في النظرية السياسية لدى كثير ممن يشاركون ابن عاشور انتماءه الديني، وأن معارضة السلطة تُعدّ خروجًا على خليفة المسلمين.

موقع النبي (ص) في الحكم

يتجلى الإيمان بالحريات الإنسانية بوضوح في منظومة ابن عاشور الفكرية؛ إذ يرى أنّ النبي (ص) بشر مثلنا، وأنّ ما يتلقاه في هذا المجال ليس من عنده، بل يُوحى إليه. ووفقًا للعرض الوارد هنا لفكره، لم يُختَر النبي بوصفه عالمًا يتولى الإجابة عن جميع أسئلة الناس، بل إنّ معرفته البشرية من جنس معارف غيره. ويوحي الله إليه، في مجال التوحيد والتشريع، بما يراه مصلحة ليبلّغه إلى الناس. ويصرّح ابن عاشور بأن الأمر بطاعة الله ورسوله هو أمر بطاعة الشريعة، وأن أوامر النبي (ص) تُطاع في نطاق الأمور الشرعية، أما عدم طاعته في الأمور الاجتماعية فلا يترتب عليه عصيان.[٤٠]

اختيار الحاكم من قبل الناس

يرى ابن عاشور أن الحكم الإسلامي حكم ديمقراطي يقوم على قواعد دينية مستمدة من الأصول القرآنية والسنة النبوية وآراء الفقهاء. كما يرى أن الحكم الديني ليس وراثيًا ولا شخصيًا، وأن اختيار الحاكم يتم وفق آراء جمهور الناس. ولتطبيق هذه النظرية، يتناول كيفية اختيار الحاكم الإسلامي، ويجعل هذه المسؤولية في نهاية المطاف على عاتق الناس. ويقول إن دعوة الله إلى طاعة «أولي الأمر» تدل على أنهم أشخاص مخصوصون في نظر الشريعة، وهم قادة الأمة وأمناؤها، ولا بد من أن يستند ثبوت هذه الصفة لهم إلى الشرع. ويكون إثبات صفة «أولي الأمر» شرعًا إما بواسطة الخليفة، وإما بواسطة جماعة المسلمين، أي أهل الحل والعقد.[٤١]

اعتبار حكم الرق في الإسلام مؤقتًا

ينطلق ابن عاشور في تحليله لقضية الرق من أسسه الفكرية، متجهًا نحو إلغائه عبر إزالة أسبابه. ويرى أن ما اتُّخذ في صدر الإسلام من تدابير بشأن الرق لم يكن إلا معالجةً مرحليةً اقتضتها أحوال العرب في عصر النزول. وبحسب رأيه، بذل الإسلام جهده لإزالة جميع أسباب الرق، ولم يُبقِ إلا الأسر في الحرب، لما كان له من آثار إيجابية في المجتمع الإسلامي. كما ينظر إلى هذا السبب بوصفه تدبيرًا ردعيًا، ويرى أن الإسلام عوّض عنه بفتح طرق متعددة لتحرير الرقيق.

نقد المؤلفات والآراء ودراستها

حظي ابن عاشور باهتمام الباحثين لمكانته في التفسير والفقه وأصول الفقه والفكر المقاصدي، فضلًا عن نقده للرؤى العلمانية بشأن العلاقة بين الدين والسياسة. ولذلك خضعت مؤلفاته وآراؤه للدراسة النقدية. ومن المؤلفات التي تناولت تراثه من منظور نقدي: نقد الفكر المقاصدي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لمحمد المدنيني، ومجموعة المقالات المعنونة مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور، وكتاب فقه الإنسان لعمرو الشاعر، ومنهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير» لنبيل أحمد صقر، ومدخل إلى العقل الأصولي للإمام الطاهر بن عاشور لعبد الفتاح بن اليماني الزويني.

إغفال تاريخية مقاصد الشريعة

إنّ النظر المقاصدي عند ابن عاشور يستند إلى مقاصد تشكّلت ضمن منظومة التراث التاريخي للمسلمين، شأنه في ذلك شأن غيره من العلماء المقاصديين. ومن هذا المنظور النقدي، يغفل هذا الاتجاه البعد التاريخي للمقاصد التي تشكّلت في الفكر الإسلامي. وهنا يبرز السؤال: ألا يمكن إعادة قراءة المقاصد وتجديدها مع مرور الزمن؟

ومن الأمثلة على ذلك أن ابن عاشور، في بحثه تعدّد الزوجات، ينطلق من نظرته المقاصدية إلى أصل التوسعة في الشريعة وعدم التشديد على الناس. ويكتب أن الإسلام، بعد أن حرّم الزنا وشدّد في تحريم ما يؤدي إلى فساد الأخلاق والأنساب ونظام الأسرة، فتح من جهة أخرى مجالًا أوسع لمن يحتاجون إلى تعدد الزوجات.[٤٢] غير أنّ كاتب المقال يرى أن ابن عاشور أغفل النساء بوصفهن الطرف الآخر في هذا الحكم والتكليف. وفي المقابل، يمكن القول بضرورة النظر إلى المقاصد بوصفها عامة ومتجاوزة للتمييز بين الجنسين. وبعبارة أخرى، إذا كانت لهذه الآية مقاصد، فينبغي أن تُراعى فيها جبلة الرجال وجبلة النساء معًا؛ ولذلك فإن الاقتصار على أحد جانبي المسألة قد يثير تحديات.

الهوامش

  1. ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص80.
  2. ↑ الغالي، محمد الطاهر بن عاشور: حياته وآثاره؛ الحسني، مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور، ص142–150.
  3. ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص54.
  4. ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص139.
  5. ↑ انظر: الزلمي، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، ص51؛ فراج حسين والسريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي، ص401؛ الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص299.
  6. ↑ عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.
  7. ↑ شفيعي، «منهجية التفسير في المغرب الإسلامي».
  8. ↑ فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه؛ عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.
  9. ↑ فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، ص400.
  10. ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص279.
  11. ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص268.
  12. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص270–271.
  13. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.
  14. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.
  15. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص227.
  16. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22، ص71؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص223؛ مقاصد الشريعة الإسلامية، ص111–112.
  17. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص167.
  18. ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص93–96.
  19. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص53–58.
  20. ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص47.
  21. ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص240–241.
  22. ↑ الفاسي، مقاصد الشريعة ومكارمها، ص1.
  23. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص119.
  24. ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص70.
  25. ↑ الريسوني، محاضرات في مقاصد الشريعة، ص96.
  26. ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
  27. ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص46.
  28. ↑ الريسوني، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، ص69.
  29. ↑ الريسوني، الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، ص15.
  30. ↑ الريسوني، محاضرات في مقاصد التشريع، ص97.
  31. ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
  32. ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
  33. ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
  34. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16–17، ص268.
  35. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص122.
  36. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص165.
  37. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.
  38. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص170.
  39. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص171.
  40. ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص174.
  41. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.
  42. ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص226.

المصادر

  • ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الثانية، د.ت.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، بيروت، مؤسسة التاريخ، 1420هـ.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تقديم: محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر، نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344هـ.
  • ابن عاشور، محمد الفاضل، الحركة الأدبية والفكرية في تونس، جامعة الدول العربية، 1955م.
  • الحسني، إسماعيل، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ.
  • الريسوني، أحمد، محاضرات في مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2014م.
  • الريسوني، أحمد، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2016م.
  • الزلمي، مصطفى إبراهيم، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، كردستان العراق، دار نشر إحسان، 1435هـ.
  • الزهراني، خالد بن أحمد، موقف الطاهر بن عاشور من الإمامية الاثني عشرية، مركز المغرب العربي للدراسات والتدريب، 1431هـ.
  • شفيعي، علي، «روش‌شناسي تفسير در مغرب اسلامي» (منهجية التفسير في المغرب الإسلامي)، مجلة «پژوهش وحوزه»، قم، العدد 33، 2008م.
  • صقر، نبيل أحمد، منهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير»، الدار المصرية، 1422هـ.
  • عباس، فضل حسن، دراسات إسلامية وعربية، «الترجيح الفقهي في تفسير الشيخ الإمام ابن عاشور»، الأردن، دار سراج للدعاية والإعلان، 1423هـ.
  • عنبوري، حميد، «مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير»، دار الحديث الحسنية، العدد 13، 1417هـ.
  • الغالي، بلقاسم، شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور: حياته وآثاره، بيروت، دار ابن حزم، 1417هـ.
  • الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مؤسسة علال الفاسي، دار المغرب، 1993م.
  • فراج حسين، أحمد، وعبد الودود محمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، بيروت، دار النهضة العربية، 1992م.
  • مهريزي، مهدي، مقاصد شريعت از نگاه ابن‌عاشور (مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور)، طهران، صحيفه خرد، 2005م.
  • الميساوي، محمد الطاهر، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، عمّان، دار النفائس، 1999م.
  • الميساوي، محمد الطاهر، جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور، الأردن، دار النفائس، 1436هـ.