الدية بوصفها بدل تراضٍ: الفرق بين النسختين
أنشأ الصفحة ب'{{مؤلف |مؤلف = علي شريفي |مؤلف2 = |مؤلف3 = |إعداد = |محرر1 = |محرر2 = |محرر3 = }} * '''الملخص''' '''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل العقوبة وجبر الضرر والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لماهية الدية في الفقه،...' |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{مؤلف | {{مؤلف | ||
|مؤلف = علي شريفي | |مؤلف = علي شريفي | ||
}} | }} | ||
* '''الملخص''' | * '''الملخص''' | ||
'''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية كون الدية | '''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية كون الدية جبراناً للخسارة|جبران الخسارة]] والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليه تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم. | ||
وقد | وقد استُدلّ لإثبات كون الدية بدل تراضٍ بـ[[الآية 92 من سورة النساء]] التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، إذ إنّ المقتول المؤمن إن كان من قوم عدوّ فلا دية، أما إن كان من قوم معاهَد فالدية واجبة. وبذلك قيل إنّ الدية في الأصل لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك يعود إلى قوم لهم نزاع وعداوة محرزة مع المسلمين فإنّ جعل الدية يكون عديم الجدوى. وفضلاً عن الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثّر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية. | ||
وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها | وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح عدم تساوي الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً بصورة جيدة. | ||
== الأهمية والمكانة == | ==الأهمية والمكانة== | ||
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ مسائل من قبيل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. | |||
وحاصل المحاولات التي بُذلت حتى الآن في باب تبيين ماهية الدية، عدا نظرية بدل التراضي، هو ثلاثة آراء أخرى، هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.<ref>ويُلاحَظ في بعض الكلمات رأي رابع يمكن تسميته بالرأي التفكيكي، وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأمين خسارة، ولكن لأنه لا يتمتع بسند استدلالي متين يُمتنع عن ذكره.</ref> | |||
=== تبيين الرأي === | ===تبيين الرأي=== | ||
تدّعي نظرية بدل التراضي | تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ الدية ذات ماهية منحصرة بها، وهي في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم لاحتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة ومنفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً من هذين. ويكتب محمدتقي بهجت في جواب عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أشبه بأحدهما.»<ref>بهجت، استفتائات، ج4، ص487.</ref> | ||
وبناءً على هذا الرأي، وإن كان | وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، إلا أنه ذو أهمية من الدرجة الثانية عند الشارع. فالمهم في الدرجة الأولى هو «جلب رضا» المجني عليه أو أولياء الدم ومنع النزاع الذي نشأ نتيجة الأذى البدني. | ||
ومن بين أهل السنة يميل علي أحمد راشد،<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.</ref> ورضوان شافعي المتعافي<ref>احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.</ref> إلى مثل هذا الرأي، ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي هو المشهور بين القانونيين المصريين، ويكتب: | |||
«الدية ناظرة فقط إلى إخماد الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وعليه فقد وُضعت الدية لهذا السبب لتؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حد ما.»<ref>فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.</ref> | |||
وما يميز هذا الرأي عن سائر الآراء، لا سيما الرأي الثاني، هو الاعتماد على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولهذا لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة. | |||
ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران الخسارة الكامل، ولهذا يمكن لهذه النظرية أن توجّه بصورة جيدة عدم تناسب الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وهذه الخاصية بارزة بوجه خاص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الواقعة بسبب القتل غير ممكن بسهولة، ولهذا يعدّ بعض البلدان اليوم القتل جناية صرفة، ولا يعدّون القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كمصاريف الكفن والدفن ونقص الدخل الناجم عن فقدان الشخص، ولذلك لا يقررون مالاً لجبرانه.<ref>فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.</ref> | |||
==نتائج الرأي== | |||
فهم ماهية الدية شيء شبيه بكشف علة الحكم التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات مجتمع ذلك اليوم، لا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها أيضاً ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه، فمع تغيّر الظروف يمكن إحلال آلية جديدة محلها.<ref>هذا الرأي بُحث بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهلبیت و فقه احناف».</ref> ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة». | |||
== | ===الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي=== | ||
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي: | |||
* يمكن للحاكم الإسلامي، وفق ما يراه مناسباً، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعذر تحصيلها. | |||
* يُوجَّه عدم تساوي الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لم تقع فيها خسارة على الشخص ظاهراً-. | |||
* يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل بأساليب أخرى، ويجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة. | |||
* يصبح عدم تساوي الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مفهوماً وقابلاً للتحليل بصورة جيدة. | |||
* مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، لأنه في هذه الحالة لن يكون لأي من الأصناف المذكورة خصوصية. | |||
* لن تكون طريقة حساب الأرش مشكلة للقضاة والأطباء بعد الآن، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش. | |||
=== الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي === | == الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء == | ||
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو | [[الآية 92 من سورة النساء]] هي الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه فيمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في الفقرة الأخيرة في وجوب دفع الدية بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد»<ref>«فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»</ref>؛ بحيث إنّ المقتول المؤمن إن كان من قوم يُعدّون عدواً لكم فلا تجب الدية، أما إن كان من قوم بينكم وبينهم عهد فالدية واجبة. | ||
* | |||
* يُبرَّر | ومع ذلك فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وذهبوا إلى وجوب الدية.<ref>حلی، السرائر، ج3، ص320.</ref> واستثنى بعض الفقهاء أيضاً فقط فرض أن يُقتل مؤمن في دار الحرب بظن الكفر من الحكم الكلي بوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً. وإن كان بعضهم كصاحب الجواهر<ref>نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.</ref> وصاحب المدارك<ref>خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.</ref> لا يقبلون حتى هذا الاستثناء. | ||
* | |||
* يمكن فهم | ===المراد من القو{{مؤلف | ||
* | |مؤلف = علي شريفي | ||
* لن تكون طريقة حساب الأرش مشكلة للقضاة | }} | ||
* '''الملخص''' | |||
'''الدية بوصفها بدل تراضٍ''' (في مقابل [[نظرية كون الدية عقوبة|العقوبة]] و[[نظرية كون الدية جبراناً للخسارة|جبران الخسارة]] والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليها تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم. | |||
وقد استُدلّ على كون الدية بدل تراضٍ بـ[[الآية 92 من سورة النساء]] التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، فإن كان المقتول المؤمن من قوم أعداء فلا تجب الدية، وأما إن كان من قوم معاهَدين فتجب الدية. وبذلك قيل إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإنّ الدم المسفوك إذا كان لقوم ثبتت عداوتهم ونزاعهم مع المسلمين، كان جعل الدية بلا جدوى. وإضافةً إلى الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية. | |||
وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً على نحو جيد. | |||
==الأهمية والمكانة== | |||
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فإن إمكان الجواب عنها إما معدوم أو عسير؛ ومن تلك المسائل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. | |||
وحصيلة المساعي التي بُذلت حتى الآن في تبيين ماهية الدية، فيما عدا نظرية بدل التراضي، ثلاثة آراء أخرى هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.<ref>ويُلاحظ في بعض الكلمات رأي رابع أيضاً يمكن التعبير عنه بالرأي التفكيكي. وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأميناً للخسارة، ولكن لعدم استنادها إلى سند استدلالي محكم يُمتنع عن ذكرها.</ref> | |||
===تبيين الرأي=== | |||
تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ للدية ماهية منحصرة بها، وأنها في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم، من أجل احتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة منفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً بينهما. ويكتب محمد تقي بهجت في جوابه عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أقرب شبهاً بأحدهما.»<ref>بهجت، استفتائات، ج4، ص487.</ref> | |||
وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، فإنه عند الشارع ذو أهمية من الدرجة الثانية. وما هو مهم في المقام الأول هو «جلب الرضا» للمجني عليه أو أولياء الدم، ومنع النزاع الذي ينشأ نتيجة الأذى البدني. | |||
ومن بين أهل السنة يميل إلى هذا الرأي علي أحمد راشد،<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.</ref> ورضوان شافعي المتعافي،<ref>احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.</ref> ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي الرأي المشهور بين الحقوقيين في مصر، ويكتب: | |||
«الدية ناظرة فقط إلى إطفاء الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وبناءً على ذلك فقد وُضعت الدية لهذا السبب لكي تؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حدٍّ ما.»<ref>فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.</ref> | |||
وما يميّز هذا الرأي عن سائر الآراء، ولا سيما الرأي الثاني، هو الاتكاء على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولذلك فهو لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة. | |||
ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران كامل للخسارة، ولذلك يستطيع هذا الرأي أن يبرّر على نحو جيد عدم تساوي الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وتبرز هذه الخاصية على وجه الخصوص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الناتجة عن القتل ليس ميسوراً، ولذلك تعدّ بعض الدول اليوم القتل جناية محضة، ولا تعدّ القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كنفقات التكفين والدفن ونقص الدخل الناتج عن فقدان الشخص، ولذا لا تقرّر مالاً لجبرانه.<ref>فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.</ref> | |||
==نتائج الرأي== | |||
فهم ماهية الدية أشبه باكتشاف علة الحكم، التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات المجتمع في ذلك اليوم، ولا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها كذلك ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه يمكن، بتغيّر الظروف، إحلال آلية جديدة محلها.<ref>وقد دُرس هذا الرأي بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهلبیت و فقه احناف».</ref> ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة». | |||
===الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي=== | |||
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي: | |||
* يمكن للحاكم الإسلامي، بحسب ما يراه، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعسر تحصيلها. | |||
* يُبرَّر التفاوت في الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لا يظهر فيها وقوع خسارة على الشخص-. | |||
* يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل إلى أساليب أخرى، وأن يجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة. | |||
* يمكن فهم التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، وتحليله على نحو جيد. | |||
* تصبح مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، إذ لن تكون لأي من الأصناف المذكورة حينئذٍ خصوصية. | |||
* لن تكون طريقة حساب الأرش بعد ذلك مشكلة للقضاة والأطباء، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش. | |||
== الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء == | == الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء == | ||
[[الآية 92 من سورة النساء]] | تُعدّ [[الآية 92 من سورة النساء]] الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه يمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في فقرتها الأخيرة بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد» في وجوب دفع الدية<ref>«فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»</ref>؛ بمعنى أنّ المقتول المؤمن إذا كان من قوم يُعدّون أعداء لكم فلا تجب الدية، وأما إذا كان من قوم لكم معهم عهد فتجب الدية. | ||
ومع ذلك، رفع بعض | ومع ذلك، فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وأوجبوا الدية.<ref>حلی، السرائر، ج3، ص320.</ref> واستثنى بعض الفقهاء أيضاً من الحكم الكلي لوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً فرضَ أن يُقتل مؤمن في دار الحرب ظناً بأنه كافر. وإن كان بعضهم، كصاحب الجواهر<ref>نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.</ref> وصاحب المدارك،<ref>خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.</ref> لا يقبلون حتى هذا الاستثناء. | ||
=== | ===المراد بالقوم=== | ||
اتفق المفسرون والفقهاء على | اتفق المفسرون والفقهاء على أنّ المراد بـ«القوم» في الآية غير المسلمين، لكنهم اختلفوا في المراد بالمسلم. فيراه بعضهم مسلماً يقف في صف المشركين في حرب مع المسلمين، فيُقتل نتيجة ذلك،<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref> ويراه بعضهم مسلماً ينتمي إلى قوم كافر، لكنّ هذا الشخص المقتول قد أسلم استثناءً. وينسب صاحب مسالك الأفهام هذا القول إلى الشيخ الطوسي.<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.</ref> | ||
والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول | والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول ولا مع ظاهر الآية، ففي أسباب النزول المنقولة للآية لا يوجد فرض الحضور في صف المشركين للقتال؛ لأنّ الآية إما نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي الذي قتل الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري ظناً منه أنه كافر، أو في أبي الدرداء الذي هاجم في سرية رجلاً صاحب غنم، ولم يلتفت إلى قوله «لا إله إلا الله» وقتله.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref> ومن جهة أخرى، فإنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع ظاهر الآية أيضاً، لأنّ الآية في شأن القوم المعاهَد الذين هم بطبيعة الحال ليسوا في حرب مع المسلمين؛ هذا فضلاً عن أنه في هذه الصورة لا ينبغي أن توجد الكفارة أيضاً، أما الاحتمال الثاني فينسجم مع ظاهر الآية. | ||
=== لماذا لا | ===لماذا لا تتعلق الدية بالمؤمن الذي هو من قوم عدو؟=== | ||
السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو | السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو أنه مع كون القاعدة العامة في قتل المؤمن خطأً وجوبَ الدية، فلماذا لا دية للمؤمن الذي هو من قوم عدو، ولماذا خصّص كثير من الفقهاء إطلاقات الروايات بآية القرآن وأخرجوا هذا المورد من وجوب دفع الدية؟<ref>فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص229.</ref> | ||
وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في سبب عدم وجوب الدية؛ فقال بعضهم: لأنّ قوم هذا الشخص كفار، والكافر لا يرث من المسلم، والدية تورَّث أيضاً، فلا ينبغي أن تُدفع الدية.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref> وقيل في نقد هذا التحليل: لو كان الأمر كذلك لوجب أن يُذكر في الآية قيد بهذا المضمون: «إلا أن يكون له وارث مسلم». وعليه فإنّ سبب عدم دفع الدية هو أنه بسبب العداوة والخصومة بين المسلمين وذلك القوم لا يمكن التحقق من ورثته لتُسلَّم الدية إليهم.<ref>طوسی، التبیان، ج3، ص291.</ref> | |||
وقال آخرون: | وقال آخرون: إنّ عيش المسلم في دار الحرب وبين أعداء الإسلام يعني إقدامه على إهدار دم نفسه، ولذلك فلا دية له.<ref>تبریزی، تنقيح مباني الأحكام، كتاب الديات، ص342.</ref> | ||
=== التبيين على أساس رفع النزاع === | ===التبيين على أساس رفع النزاع=== | ||
لم يُذكر دليل | لم يُذكر دليل على أيٍّ من التوجيهات المذكورة في ذيل الآية، ولكن هذه الآراء نفسها تدل على أنّ لوجود العداوة والخصومة تأثيراً في نفي الدية الذي بيّنه القرآن. وعليه يمكن توضيح الآية على هذا النحو: إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبتت عداوتهم وخصومتهم مع المسلمين، فلن يكون لجعل الدية ثمرة. ويكتب [[حسين علي المنتظري]]: | ||
«وإن كان وضع الدية | «وإن كان وضع الدية بنحو ما لجبران الخسارة الواقعة، إلا أنّ... المؤمن الذي قُتل خطأً ولم تكن لأقاربه عداوة مع المسلمين له دية، أما المؤمن الذي قُتل على النحو نفسه لكن أقاربه من أعداء المسلمين فلا دية له؛ مع أنّ كليهما إنسان مؤمن.»<ref>منتظری، مجازاتهای اسلامی و حقوق بشر، ص57.</ref> ويرى المنتظري، إضافةً إلى أنّ مجرد وجود العداوة سبب لسقوط الدية، أنّ كلمة «القوم» تُعبَّر عنها بـ«الأقارب» للمقتول. وهذا التعبير موافق لظاهر القرآن ويمنع من اختصاصه بالكفار الحربيين، وإن كان بعض المفسرين يعتقدون أنّ تعبير «من قوم» ناظر إلى محل السكن، لا إلى المنشأ الأسري والقبلي الذي ينتمي إليه المقتول.<ref>جوادی آملی، تفسیر تسنیم، ج20، ص137-138.</ref> | ||
=== تنكير كلمة الدية === | ===تنكير كلمة الدية=== | ||
استفاد بعض | استفاد بعض الكتّاب من تنكير «دية» في هذه الآية أيضاً على أنّ ماهية الدية بدل الرضا؛ لأنّ الله تعالى قال: تُدفع الدية لأهل المقتول، قلّت أم كثرت، إذ المهم أن يُحصَّل رضاهم.<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص551، نقلاً عن: بدوی، الاحکام العامة فی القانون الجنائی، الجزء الاول، ص195.</ref> | ||
وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه | وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه ينسجم مع ظاهر الآية، وإذا كان هذا التفسير صحيحاً فسيكون دليلاً على الرأي القائل إنّ الدية في الأساس لجلب رضا المجني عليه وتجفيف جذر النزاع، وإن كان بدفع الدية يُجبر بصورة طبيعية جزء من خسائر المجني عليه أيضاً. | ||
== تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية == | == تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية == | ||
تُظهر الشواهد التاريخية أنّ جعل الدية ليس من الأحكام التأسيسية للإسلام. وإضافةً إلى ذلك، توجد شواهد على أنّ ماهية الدية قبل الإسلام كانت مجرد جلب الرضا وإزالة النزاع؛ لأنّ حياة العرب قبل الإسلام كانت قائمة إلى حد كبير على أساس «العصبية» و«الحمية الجاهلية»، وهذا ما جعل أدنى اعتداء على أفراد القبيلة بمنزلة اعتداء على كيان القبيلة، فتشتعل نيران العصبية والانتقام. وفي مثل هذه الظروف كانت أهم وظيفة للدية هي «جلب الرضا» لقوم المجني عليه وتخفيف ألسنة الانتقام لديهم. ولذلك أكّد المؤرخون أنّ العربي الجاهلي كان يعرف الانتقام قبل أن يعرف نظام دفع الدية، وبعد النتائج الضارة التي لحقت بهم من جريان الانتقام، توصلوا إلى أن يجلبوا رضا قبيلة المجني عليه بدفع مبلغ من المال،<ref>احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص60، نقلاً عن: محمد ابراهیم الدسوقی، تقدیر التعویض بین الخطأ والضرر، ص23.</ref> وقد رُوي هذا الوضع في سائر الأمم أيضاً بدرجة أقل أو أكثر.<ref>میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص17، نقلاً عن: فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص212.</ref> | |||
وشاهد آخر | وشاهد آخر هو القصة المنقولة عن الشافعي، وبناءً عليها قتل رجل أحد الأشراف، فذهب أقارب القاتل إلى أبي المقتول وقالوا: «ماذا تريد منا لترضى؟» فقال أبو المقتول: «أحد ثلاثة أمور.» قالوا: «وما هذه الأمور الثلاثة؟» قال: «إما أن تُحيوا ولدي، أو أن تملؤوا داري بنجوم السماء، أو أن تسلّموا إليّ قومكم لأقتلهم جميعاً، وفي هذه الحال أيضاً لا أدري هل أكون قد ثأرت أم لا».<ref>فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص62، نقلاً عن: احکام القرآن للشافعی، ج1، ص269.</ref> | ||
ويمكن عدّ | ويمكن عدّ الاتكاء على «الرضا» دليلاً على أنّ ماهية الدية في ذلك المجتمع كانت بدل الرضا. | ||
=== تثبيت الدية من قبل النبي (ص) === | ===تثبيت الدية من قبل النبي(ص)=== | ||
بعد تأييد حكم الدية وإمضائه من قبل النبي الكريم للإسلام، لم تُترك هذه الوظيفة دفعة واحدة، بل حُفظ كثير من خصائصها. وكون النبي(ص) جعل الدية مئة ناقة على سنة عبد المطلب يدل أيضاً على أنه لم يقصد بهذا العمل جبران الخسارة وحده، لأنه بحسب سنة العرب الجاهليين لم تكن خسارة فقدان إنسان واحد للقبيلة تزيد على 10 نوق، وإذا كان المقتول من الرؤساء وشيوخ القبائل فإنّ هذه الخسارة كانت تعادل 1000 ناقة أيضاً. فالنبي لم يقرّر مقداراً معيناً، هو مئة ناقة، لجبران تلك الخسارة، بل من أجل إنهاء النزاع وجلب الرضا. | |||
== مواضيع ذات صلة == | ==مواضيع ذات صلة== | ||
* [[الدية | * [[نظرية كون الدية عقوبة]] | ||
* [[الدية | * [[نظرية كون الدية جبراناً للخسارة]] | ||
== الهوامش == | ==الهوامش== | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||
== المصادر == | ==المصادر== | ||
* | {{مصادر}} | ||
* بهجت، | * احمد ادریس، عوض، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1986م. | ||
* | * بهجت، محمدتقی، استفتائات (الاستفتاءات)، قم، مكتب آية الله بهجت، 1428ق. | ||
* | * تبریزی، میرزا جواد، تنقيح مباني الأحكام: كتاب الديات، قم، دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها، 1428ق. | ||
* | * جوادی آملی، عبدالله، تفسیر تسنیم (تفسير تسنيم)، قم، مركز نشر الإسراء، 1389ش. | ||
* | * حلی، محمد بن ادریس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1410ق. | ||
* | * خوانساری، سید احمد، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1405ق. | ||
* فاضل | * طوسی، محمد بن حسن، التبیان فی تفسیر القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، دون تاريخ. | ||
* | * فاضل کاظمی، جواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان. | ||
* | * فتحی بهنسی، احمد، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1404ق. | ||
* فرداد، | * فتحی بهنسی، احمد، العقوبة فی الفقه الاسلامی، بيروت، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403ق. | ||
* | * فرداد، علی، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا» (القتل العمد في القانون الجزائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجزائي الفرنسي والإيطالي)، نشریه مجموعه حقوقی (المجلة الحقوقية)، العدد 10-11، دی و بهمن 1323. | ||
* | * منتظری، حسینعلی، مجازاتهاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش، الطبعة الأولى، 1429ق. | ||
* | * میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، الطبعة الأولى، 1373ش. | ||
* نجفی، محمدحسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة السابعة، دون تاريخ. | |||
[[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]] | [[تصنيف:النظريات حول ماهية الدية]] | ||
[[en:Theory of diya as a means of collecting consent]] | [[en:Theory of diya as a means of collecting consent]] | ||
[[fa:نظریه ابزارانگاری دیه برای رضایت]] | [[fa:نظریه ابزارانگاری دیه برای رضایت]] | ||
مراجعة ٢٠:٣٤، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦
مؤلف: علي شريفي
- الملخص
الدية بوصفها بدل تراضٍ (في مقابل العقوبة وجبران الخسارة والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليه تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم.
وقد استُدلّ لإثبات كون الدية بدل تراضٍ بـالآية 92 من سورة النساء التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، إذ إنّ المقتول المؤمن إن كان من قوم عدوّ فلا دية، أما إن كان من قوم معاهَد فالدية واجبة. وبذلك قيل إنّ الدية في الأصل لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك يعود إلى قوم لهم نزاع وعداوة محرزة مع المسلمين فإنّ جعل الدية يكون عديم الجدوى. وفضلاً عن الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثّر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية.
وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح عدم تساوي الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً بصورة جيدة.
الأهمية والمكانة
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ مسائل من قبيل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام.
وحاصل المحاولات التي بُذلت حتى الآن في باب تبيين ماهية الدية، عدا نظرية بدل التراضي، هو ثلاثة آراء أخرى، هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.[١]
تبيين الرأي
تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ الدية ذات ماهية منحصرة بها، وهي في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم لاحتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة ومنفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً من هذين. ويكتب محمدتقي بهجت في جواب عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أشبه بأحدهما.»[٢]
وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، إلا أنه ذو أهمية من الدرجة الثانية عند الشارع. فالمهم في الدرجة الأولى هو «جلب رضا» المجني عليه أو أولياء الدم ومنع النزاع الذي نشأ نتيجة الأذى البدني.
ومن بين أهل السنة يميل علي أحمد راشد،[٣] ورضوان شافعي المتعافي[٤] إلى مثل هذا الرأي، ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي هو المشهور بين القانونيين المصريين، ويكتب: «الدية ناظرة فقط إلى إخماد الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وعليه فقد وُضعت الدية لهذا السبب لتؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حد ما.»[٥]
وما يميز هذا الرأي عن سائر الآراء، لا سيما الرأي الثاني، هو الاعتماد على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولهذا لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة.
ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران الخسارة الكامل، ولهذا يمكن لهذه النظرية أن توجّه بصورة جيدة عدم تناسب الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وهذه الخاصية بارزة بوجه خاص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الواقعة بسبب القتل غير ممكن بسهولة، ولهذا يعدّ بعض البلدان اليوم القتل جناية صرفة، ولا يعدّون القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كمصاريف الكفن والدفن ونقص الدخل الناجم عن فقدان الشخص، ولذلك لا يقررون مالاً لجبرانه.[٦]
نتائج الرأي
فهم ماهية الدية شيء شبيه بكشف علة الحكم التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات مجتمع ذلك اليوم، لا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها أيضاً ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه، فمع تغيّر الظروف يمكن إحلال آلية جديدة محلها.[٧] ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة».
الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي:
- يمكن للحاكم الإسلامي، وفق ما يراه مناسباً، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعذر تحصيلها.
- يُوجَّه عدم تساوي الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لم تقع فيها خسارة على الشخص ظاهراً-.
- يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل بأساليب أخرى، ويجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة.
- يصبح عدم تساوي الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مفهوماً وقابلاً للتحليل بصورة جيدة.
- مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، لأنه في هذه الحالة لن يكون لأي من الأصناف المذكورة خصوصية.
- لن تكون طريقة حساب الأرش مشكلة للقضاة والأطباء بعد الآن، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش.
الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء
الآية 92 من سورة النساء هي الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه فيمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في الفقرة الأخيرة في وجوب دفع الدية بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد»[٨]؛ بحيث إنّ المقتول المؤمن إن كان من قوم يُعدّون عدواً لكم فلا تجب الدية، أما إن كان من قوم بينكم وبينهم عهد فالدية واجبة.
ومع ذلك فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وذهبوا إلى وجوب الدية.[٩] واستثنى بعض الفقهاء أيضاً فقط فرض أن يُقتل مؤمن في دار الحرب بظن الكفر من الحكم الكلي بوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً. وإن كان بعضهم كصاحب الجواهر[١٠] وصاحب المدارك[١١] لا يقبلون حتى هذا الاستثناء.
===المراد من القو
مؤلف: علي شريفي
- الملخص
الدية بوصفها بدل تراضٍ (في مقابل العقوبة وجبران الخسارة والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه، وبناءً عليها تكون الدية أداةً لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم.
وقد استُدلّ على كون الدية بدل تراضٍ بـالآية 92 من سورة النساء التي فُرِّق فيها بين دية الأعداء و«القوم المعاهَد»، فإن كان المقتول المؤمن من قوم أعداء فلا تجب الدية، وأما إن كان من قوم معاهَدين فتجب الدية. وبذلك قيل إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإنّ الدم المسفوك إذا كان لقوم ثبتت عداوتهم ونزاعهم مع المسلمين، كان جعل الدية بلا جدوى. وإضافةً إلى الآية المذكورة، استُند في هذا الشأن أيضاً إلى تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية.
وقد ذُكرت لهذه النظرية آثار؛ منها أنّ للحاكم الإسلامي أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية، أو أنه بناءً على هذا التبيين يصبح التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، مقبولاً على نحو جيد.
الأهمية والمكانة
يُعدّ عدّ الدية أداةً لجلب الرضا أحد ما أبداه الفقهاء المسلمون بشأن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فإن إمكان الجواب عنها إما معدوم أو عسير؛ ومن تلك المسائل: الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام.
وحصيلة المساعي التي بُذلت حتى الآن في تبيين ماهية الدية، فيما عدا نظرية بدل التراضي، ثلاثة آراء أخرى هي: كون الدية عقوبة، وكونها خسارة مدنية، والرأي التلفيقي.[١٢]
تبيين الرأي
تدّعي نظرية بدل التراضي أنّ للدية ماهية منحصرة بها، وأنها في الواقع مبلغ مالي يُدفع لجلب رضا المجني عليه أو أولياء الدم، من أجل احتواء النزاع الذي نشأ نتيجة الجناية. ويُستفاد من بعض التعابير أنّ للدية ماهية مستقلة منفردة، فهي ليست عقوبة ولا خسارة مدنية ولا تلفيقاً بينهما. ويكتب محمد تقي بهجت في جوابه عن السؤال عن ماهية الدية: «عنوان مستقل يكون بحسب المورد أقرب شبهاً بأحدهما.»[١٣]
وبناءً على هذا الرأي، وإن كان جبران الخسارة موجوداً في الدية، فإنه عند الشارع ذو أهمية من الدرجة الثانية. وما هو مهم في المقام الأول هو «جلب الرضا» للمجني عليه أو أولياء الدم، ومنع النزاع الذي ينشأ نتيجة الأذى البدني.
ومن بين أهل السنة يميل إلى هذا الرأي علي أحمد راشد،[١٤] ورضوان شافعي المتعافي،[١٥] ويعدّ أحمد فتحي بهنسي هذا الرأي الرأي المشهور بين الحقوقيين في مصر، ويكتب: «الدية ناظرة فقط إلى إطفاء الغضب والحقد في قلب المجني عليه وأقاربه. وبناءً على ذلك فقد وُضعت الدية لهذا السبب لكي تؤدي إلى جلب رضا المجني عليه إلى حدٍّ ما.»[١٦]
وما يميّز هذا الرأي عن سائر الآراء، ولا سيما الرأي الثاني، هو الاتكاء على عنصر جلب رضا المجني عليه وأولياء الدم، الذي قد يعني نوعاً من المصالحة، ومن الواضح أنّ المصالحة ليست عقوبة؛ ولذلك فهو لا يتطابق مع أي من الآراء التي تعتمد على كون الدية عقوبة.
ومن جهة أخرى، فإنّ المصالحة لا تقترن دائماً بجبران كامل للخسارة، ولذلك يستطيع هذا الرأي أن يبرّر على نحو جيد عدم تساوي الدية مع الخسائر الواقعة على المجني عليه. وتبرز هذه الخاصية على وجه الخصوص في موارد القتل؛ لأنّ تقدير مقدار الخسارة الناتجة عن القتل ليس ميسوراً، ولذلك تعدّ بعض الدول اليوم القتل جناية محضة، ولا تعدّ القتل خسارة سوى الخسائر الجانبية كنفقات التكفين والدفن ونقص الدخل الناتج عن فقدان الشخص، ولذا لا تقرّر مالاً لجبرانه.[١٧]
نتائج الرأي
فهم ماهية الدية أشبه باكتشاف علة الحكم، التي قيل إنه يمكن بناءً عليها توسيع الحكم أو تضييقه. وبناءً على هذا التبيين، لا تُعدّ الدية حكماً شرعياً دائماً، بل حكماً موقعياً ناظراً إلى حل مشكلات المجتمع في ذلك اليوم، ولا سيما في شبه الجزيرة العربية، وتفاصيلها كذلك ناظرة إلى حل النزاع في مجتمع ذلك اليوم. وعليه يمكن، بتغيّر الظروف، إحلال آلية جديدة محلها.[١٨] ويمكن لهذه الآلية أن تحلّ محل نظام «تقدير الخسارة».
الآثار النظرية والعملية لنظرية بدل التراضي
يمكن بيان بعض آثار هذا الرأي ونتائجه على النحو الآتي:
- يمكن للحاكم الإسلامي، بحسب ما يراه، أن يعرّف جميع الخسائر الواقعة على المجني عليه في قالب الدية. وهذه النتيجة لا تتحصل بناءً على سائر الآراء التي ترى ماهية الدية تعبدية، أو يتعسر تحصيلها.
- يُبرَّر التفاوت في الدية في الموارد المختلفة -ومنها الموارد التي لا يظهر فيها وقوع خسارة على الشخص-.
- يمكن للحاكم الإسلامي أن يجفّف جذر النزاع بالتوسل إلى أساليب أخرى، وأن يجعل ديةً لمجرد تأمين الخسارة.
- يمكن فهم التفاوت في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم وغير المسلم، والعبد والحر، وتحليله على نحو جيد.
- تصبح مشكلة الأصناف الستة للدية قابلة للحل تماماً، إذ لن تكون لأي من الأصناف المذكورة حينئذٍ خصوصية.
- لن تكون طريقة حساب الأرش بعد ذلك مشكلة للقضاة والأطباء، بل يمكن بسهولة إحلال الخسارة محل الأرش.
الاستدلال بالآية 92 من سورة النساء
تُعدّ الآية 92 من سورة النساء الآية الوحيدة في القرآن التي تحدثت عن حكم الدية، وقد عُدّت أصلاً لجميع الروايات. وعليه يمكن أن تكون أفضل طريق لكشف ماهية الدية. وقد فرّقت هذه الآية، بعد بيان حكم حرمة القتل والتفكيك بين العمد والخطأ وبيان وجوب الكفارة والدية، في فقرتها الأخيرة بين «القوم العدو» و«القوم المعاهَد» في وجوب دفع الدية[١٩]؛ بمعنى أنّ المقتول المؤمن إذا كان من قوم يُعدّون أعداء لكم فلا تجب الدية، وأما إذا كان من قوم لكم معهم عهد فتجب الدية.
ومع ذلك، فقد رفع بعض الفقهاء، كابن إدريس، اليد عن ظاهر الآية وأوجبوا الدية.[٢٠] واستثنى بعض الفقهاء أيضاً من الحكم الكلي لوجوب الدية في قتل المؤمن خطأً فرضَ أن يُقتل مؤمن في دار الحرب ظناً بأنه كافر. وإن كان بعضهم، كصاحب الجواهر[٢١] وصاحب المدارك،[٢٢] لا يقبلون حتى هذا الاستثناء.
المراد بالقوم
اتفق المفسرون والفقهاء على أنّ المراد بـ«القوم» في الآية غير المسلمين، لكنهم اختلفوا في المراد بالمسلم. فيراه بعضهم مسلماً يقف في صف المشركين في حرب مع المسلمين، فيُقتل نتيجة ذلك،[٢٣] ويراه بعضهم مسلماً ينتمي إلى قوم كافر، لكنّ هذا الشخص المقتول قد أسلم استثناءً. وينسب صاحب مسالك الأفهام هذا القول إلى الشيخ الطوسي.[٢٤]
والاحتمال الأول لا ينسجم مع سبب النزول ولا مع ظاهر الآية، ففي أسباب النزول المنقولة للآية لا يوجد فرض الحضور في صف المشركين للقتال؛ لأنّ الآية إما نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي الذي قتل الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامري ظناً منه أنه كافر، أو في أبي الدرداء الذي هاجم في سرية رجلاً صاحب غنم، ولم يلتفت إلى قوله «لا إله إلا الله» وقتله.[٢٥] ومن جهة أخرى، فإنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع ظاهر الآية أيضاً، لأنّ الآية في شأن القوم المعاهَد الذين هم بطبيعة الحال ليسوا في حرب مع المسلمين؛ هذا فضلاً عن أنه في هذه الصورة لا ينبغي أن توجد الكفارة أيضاً، أما الاحتمال الثاني فينسجم مع ظاهر الآية.
لماذا لا تتعلق الدية بالمؤمن الذي هو من قوم عدو؟
السؤال المهم في الاستناد إلى آية سورة النساء هو أنه مع كون القاعدة العامة في قتل المؤمن خطأً وجوبَ الدية، فلماذا لا دية للمؤمن الذي هو من قوم عدو، ولماذا خصّص كثير من الفقهاء إطلاقات الروايات بآية القرآن وأخرجوا هذا المورد من وجوب دفع الدية؟[٢٦]
وقد اختلف هؤلاء الفقهاء في سبب عدم وجوب الدية؛ فقال بعضهم: لأنّ قوم هذا الشخص كفار، والكافر لا يرث من المسلم، والدية تورَّث أيضاً، فلا ينبغي أن تُدفع الدية.[٢٧] وقيل في نقد هذا التحليل: لو كان الأمر كذلك لوجب أن يُذكر في الآية قيد بهذا المضمون: «إلا أن يكون له وارث مسلم». وعليه فإنّ سبب عدم دفع الدية هو أنه بسبب العداوة والخصومة بين المسلمين وذلك القوم لا يمكن التحقق من ورثته لتُسلَّم الدية إليهم.[٢٨]
وقال آخرون: إنّ عيش المسلم في دار الحرب وبين أعداء الإسلام يعني إقدامه على إهدار دم نفسه، ولذلك فلا دية له.[٢٩]
التبيين على أساس رفع النزاع
لم يُذكر دليل على أيٍّ من التوجيهات المذكورة في ذيل الآية، ولكن هذه الآراء نفسها تدل على أنّ لوجود العداوة والخصومة تأثيراً في نفي الدية الذي بيّنه القرآن. وعليه يمكن توضيح الآية على هذا النحو: إنّ الدية في الأساس لرفع النزاع والعداوة، وإذا كان الدم المسفوك لقوم ثبتت عداوتهم وخصومتهم مع المسلمين، فلن يكون لجعل الدية ثمرة. ويكتب حسين علي المنتظري: «وإن كان وضع الدية بنحو ما لجبران الخسارة الواقعة، إلا أنّ... المؤمن الذي قُتل خطأً ولم تكن لأقاربه عداوة مع المسلمين له دية، أما المؤمن الذي قُتل على النحو نفسه لكن أقاربه من أعداء المسلمين فلا دية له؛ مع أنّ كليهما إنسان مؤمن.»[٣٠] ويرى المنتظري، إضافةً إلى أنّ مجرد وجود العداوة سبب لسقوط الدية، أنّ كلمة «القوم» تُعبَّر عنها بـ«الأقارب» للمقتول. وهذا التعبير موافق لظاهر القرآن ويمنع من اختصاصه بالكفار الحربيين، وإن كان بعض المفسرين يعتقدون أنّ تعبير «من قوم» ناظر إلى محل السكن، لا إلى المنشأ الأسري والقبلي الذي ينتمي إليه المقتول.[٣١]
تنكير كلمة الدية
استفاد بعض الكتّاب من تنكير «دية» في هذه الآية أيضاً على أنّ ماهية الدية بدل الرضا؛ لأنّ الله تعالى قال: تُدفع الدية لأهل المقتول، قلّت أم كثرت، إذ المهم أن يُحصَّل رضاهم.[٣٢]
وهذا الفهم للآية، وإن لم يكن له أنصار كثيرون بين المفسرين، فإنه ينسجم مع ظاهر الآية، وإذا كان هذا التفسير صحيحاً فسيكون دليلاً على الرأي القائل إنّ الدية في الأساس لجلب رضا المجني عليه وتجفيف جذر النزاع، وإن كان بدفع الدية يُجبر بصورة طبيعية جزء من خسائر المجني عليه أيضاً.
تأثر حكم الدية ببيئة شبه الجزيرة العربية
تُظهر الشواهد التاريخية أنّ جعل الدية ليس من الأحكام التأسيسية للإسلام. وإضافةً إلى ذلك، توجد شواهد على أنّ ماهية الدية قبل الإسلام كانت مجرد جلب الرضا وإزالة النزاع؛ لأنّ حياة العرب قبل الإسلام كانت قائمة إلى حد كبير على أساس «العصبية» و«الحمية الجاهلية»، وهذا ما جعل أدنى اعتداء على أفراد القبيلة بمنزلة اعتداء على كيان القبيلة، فتشتعل نيران العصبية والانتقام. وفي مثل هذه الظروف كانت أهم وظيفة للدية هي «جلب الرضا» لقوم المجني عليه وتخفيف ألسنة الانتقام لديهم. ولذلك أكّد المؤرخون أنّ العربي الجاهلي كان يعرف الانتقام قبل أن يعرف نظام دفع الدية، وبعد النتائج الضارة التي لحقت بهم من جريان الانتقام، توصلوا إلى أن يجلبوا رضا قبيلة المجني عليه بدفع مبلغ من المال،[٣٣] وقد رُوي هذا الوضع في سائر الأمم أيضاً بدرجة أقل أو أكثر.[٣٤]
وشاهد آخر هو القصة المنقولة عن الشافعي، وبناءً عليها قتل رجل أحد الأشراف، فذهب أقارب القاتل إلى أبي المقتول وقالوا: «ماذا تريد منا لترضى؟» فقال أبو المقتول: «أحد ثلاثة أمور.» قالوا: «وما هذه الأمور الثلاثة؟» قال: «إما أن تُحيوا ولدي، أو أن تملؤوا داري بنجوم السماء، أو أن تسلّموا إليّ قومكم لأقتلهم جميعاً، وفي هذه الحال أيضاً لا أدري هل أكون قد ثأرت أم لا».[٣٥] ويمكن عدّ الاتكاء على «الرضا» دليلاً على أنّ ماهية الدية في ذلك المجتمع كانت بدل الرضا.
تثبيت الدية من قبل النبي(ص)
بعد تأييد حكم الدية وإمضائه من قبل النبي الكريم للإسلام، لم تُترك هذه الوظيفة دفعة واحدة، بل حُفظ كثير من خصائصها. وكون النبي(ص) جعل الدية مئة ناقة على سنة عبد المطلب يدل أيضاً على أنه لم يقصد بهذا العمل جبران الخسارة وحده، لأنه بحسب سنة العرب الجاهليين لم تكن خسارة فقدان إنسان واحد للقبيلة تزيد على 10 نوق، وإذا كان المقتول من الرؤساء وشيوخ القبائل فإنّ هذه الخسارة كانت تعادل 1000 ناقة أيضاً. فالنبي لم يقرّر مقداراً معيناً، هو مئة ناقة، لجبران تلك الخسارة، بل من أجل إنهاء النزاع وجلب الرضا.
مواضيع ذات صلة
الهوامش
- ↑ ويُلاحَظ في بعض الكلمات رأي رابع يمكن تسميته بالرأي التفكيكي، وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأمين خسارة، ولكن لأنه لا يتمتع بسند استدلالي متين يُمتنع عن ذكره.
- ↑ بهجت، استفتائات، ج4، ص487.
- ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.
- ↑ احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.
- ↑ فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.
- ↑ فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.
- ↑ هذا الرأي بُحث بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهلبیت و فقه احناف».
- ↑ «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»
- ↑ حلی، السرائر، ج3، ص320.
- ↑ نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.
- ↑ خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.
- ↑ ويُلاحظ في بعض الكلمات رأي رابع أيضاً يمكن التعبير عنه بالرأي التفكيكي. وبناءً عليه تكون الدية في الجرائم العمدية عقوبة، وفي الجرائم الخطئية تأميناً للخسارة، ولكن لعدم استنادها إلى سند استدلالي محكم يُمتنع عن ذكرها.
- ↑ بهجت، استفتائات، ج4، ص487.
- ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص23، نقلاً عن: «القانون الجنائی الاسلامی» ص39.
- ↑ احمد ادریس، الدیه بین العقوبة و التعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص38، نقلاً عن: الجنایات المتحده فی القانون والشریعه، ص198.
- ↑ فتحی بهنسی، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، ص12.
- ↑ فرداد، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا»، ص349.
- ↑ وقد دُرس هذا الرأي بالتفصيل في كتابة مفصلة بعنوان «نوع و میزان دیه از دیدگاه فقه اهلبیت و فقه احناف».
- ↑ «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»
- ↑ حلی، السرائر، ج3، ص320.
- ↑ نجفی، جواهر الكلام، ج43، ص410.
- ↑ خوانساری، جامع المدارك، ج6، ص296.
- ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.
- ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص228.
- ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
- ↑ فاضل کاظمی، مسالك الأفهام، ج4، ص229.
- ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
- ↑ طوسی، التبیان، ج3، ص291.
- ↑ تبریزی، تنقيح مباني الأحكام، كتاب الديات، ص342.
- ↑ منتظری، مجازاتهای اسلامی و حقوق بشر، ص57.
- ↑ جوادی آملی، تفسیر تسنیم، ج20، ص137-138.
- ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص551، نقلاً عن: بدوی، الاحکام العامة فی القانون الجنائی، الجزء الاول، ص195.
- ↑ احمد ادریس، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، ص60، نقلاً عن: محمد ابراهیم الدسوقی، تقدیر التعویض بین الخطأ والضرر، ص23.
- ↑ میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص17، نقلاً عن: فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص212.
- ↑ فتحی بهنسی، العقوبة فی الفقه الاسلامی، ص62، نقلاً عن: احکام القرآن للشافعی، ج1، ص269.
المصادر
- احمد ادریس، عوض، الدیة بین العقوبة والتعویض فی الفقه الاسلامی المقارن، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1986م.
- بهجت، محمدتقی، استفتائات (الاستفتاءات)، قم، مكتب آية الله بهجت، 1428ق.
- تبریزی، میرزا جواد، تنقيح مباني الأحكام: كتاب الديات، قم، دار الصديقة الشهيدة سلام الله عليها، 1428ق.
- جوادی آملی، عبدالله، تفسیر تسنیم (تفسير تسنيم)، قم، مركز نشر الإسراء، 1389ش.
- حلی، محمد بن ادریس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1410ق.
- خوانساری، سید احمد، جامع المدارك في شرح مختصر النافع، قم، مؤسسة إسماعيليان، 1405ق.
- طوسی، محمد بن حسن، التبیان فی تفسیر القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، دون تاريخ.
- فاضل کاظمی، جواد، مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، دون ناشر، دون تاريخ، دون مكان.
- فتحی بهنسی، احمد، الدیة فی الشریعة الاسلامیه، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1404ق.
- فتحی بهنسی، احمد، العقوبة فی الفقه الاسلامی، بيروت، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403ق.
- فرداد، علی، «قتل عمد در حقوق کیفری ایران و مقایسه آن با حقوق کیفری فرانسه و ایتالیا» (القتل العمد في القانون الجزائي الإيراني ومقارنته بالقانون الجزائي الفرنسي والإيطالي)، نشریه مجموعه حقوقی (المجلة الحقوقية)، العدد 10-11، دی و بهمن 1323.
- منتظری، حسینعلی، مجازاتهاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش، الطبعة الأولى، 1429ق.
- میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، الطبعة الأولى، 1373ش.
- نجفی، محمدحسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة السابعة، دون تاريخ.