انتقل إلى المحتوى

تقليد المرأة

من موسوعة الفقه المعاصر
مراجعة ١٢:٣٠، ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ بواسطة Armodir (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
  • الملخص

تقليد المرأة أو مرجعية المرأة في الأحكام الشرعية، يحظى باهتمام الفقهاء والباحثين الفقهيين، ويُبحث غالباً ضمن الكلام عن شروط المرجعية، ولا سيما شرط الذكورية. وقد تشكلت في المصادر الفقهية حول مرجعية المرأة رأيان رئيسيان: رأي المشهور من الفقهاء الذين يعدّون الذكورية شرطاً، ورأي غير المشهور الذي لا يرى هذا الشرط ضرورياً ويجيز مرجعية المرأة.

كان الشهيد الثاني أول فقيه صرّح بأن الذكورية شرط للإفتاء، وادّعى الإجماع عليه. ثم ثبت هذا الرأي بعده في آثار مثل كتاب العروة الوثقى؛ وإن كان بعض الفقهاء كصاحب الجواهر، والمحقق الأصفهاني، وسيد محسن حكيم قد ترددوا في هذا الشرط.

استدل الفقهاء القائلون بعدم جواز تقليد المرأة على مدعاهم بمجموعة من الأدلة، ومنها آيات من القرآن كـآية القوامة وآية الدرجة، وروايات تقصر تولي القضاء على الرجال أو تنهى عن إيكال الأمور إلى النساء، وادعاء الإجماع، والاستناد إلى ما يُعبّر عنه بـمذاق الشارع. وفي المقابل، رأى المنتقدون لهذه الأدلة، مؤكدين على السياق الأسري للآيات المستشهد بها، أو ضعف سندها، أو كون الروايات ناظرة إلى ظروف اجتماعية وتاريخية خاصة، أو كون الإجماع المدّعى مدركياً، وكذلك غموض مفهوم مذاق الشريعة وعدم انضباطه، أن هذه المجموعة من الأدلة غير كافية لإثبات شرط الذكورية.

وفي مقابل رأي المشهور، اعتبر فريق من الفقهاء المعاصرين، استناداً إلى إطلاق آيات كـآية أهل الذكر، وإلى إطلاق الروايات الناظرة إلى شروط الفقهاء التي لا يرد فيها قيد من حيث الجنس، وإلى مراعاة سيرة المعصومين(ع) ولا سيما التمسك بـبناء العقلاء، أن شرط الذكورية لا سند شرعي له. وبناءً على هذا الرأي، فإن المعيار الأساسي في مرجعية التقليد هو العلم والفقاهة والأعلمية، ولا دور حاسماً للجنس في ذلك. وبعض هؤلاء الفقهاء، حتى لو ترددوا في إطلاق جواز تقليد المرأة، فإنهم قبلوا على الأقل تقليد المرأة للنساء، ورأوه متوافقاً مع الموازين الفقهية وأصول الاستنباط.

ويُظهر تقييم استدلالات الرأيين أن كلاً منهما مبني على أسس ومناهج استنباطية خاصة. فرأي المشهور يعتمد أساساً على الأدلة الخاصة، وفهم محدد للنصوص، ونوع من الاحتياط في مجال المناصب الدينية، بينما يؤكد رأي غير المشهور على عموم الأدلة الأخرى وإطلاقها، وإعادة القراءة النقدية للنصوص، وتفسير أوسع لسيرة العقلاء وسيرة المعصومين. وقد تشكلت الانتقادات المتبادلة بين هذين الاتجاهين أساساً حول دلالة النصوص وسياقها، وحجية الروايات وصدورها، وكيفية فهم سيرة المعصومين(ع) وتطبيقها.

تبيين المسألة

تقليد يعني عمل غير المتخصص (العامي) بناءً على رأي الفقيه، بحيث يتحمل الفقيه مسؤولية صحة العمل وبطلانه.[١] وقد ذُكرت في المصادر الفقهية شروط متعددة لتولي منصب مرجعية التقليد، وبعضها كالبلوغ والعقل والإيمان لا خلاف فيه.[٢] ومع ذلك، يوجد خلاف في شرط «الذكورية». وفي هذا الشأن يمكن التمييز بين رأيين: رأي المشهور الذي يعدّ الذكورية شرطاً، ورأي غير المشهور الذي لا يرى هذا الشرط ضرورياً ويجيز تقليد المرأة.

وبحسب قول بعض الباحثين، فإن دراسة النصوص الفقهية المتقدمة تبيّن أن مسألة المرجعية لم تُطرح بوصفها موضوعاً مستقلاً وصريحاً؛ بل إن كثيراً من الفقهاء السابقين بيّنوا شروط المفتي في باب القضاء وأحياناً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولأنه لم يكن هناك في ذلك العهد فصل واضح بين منصبي الإفتاء والقضاء، فقد كان كثير من الفقهاء يرون أن الشروط اللازمة للقاضي تجري أيضاً على المفتي.[٣] والمنعطف التاريخي في هذا البحث هو رأي الشهيد الثاني،[٤] الذي طرح لأول مرة بشكل محدد الذكورية بوصفها أحد الشروط اللازمة للمفتي، وادعى الإجماع عليها.[٥]

ذكر سيد محمدكاظم طباطبائي يزدي في كتاب العروة الوثقى الذكورية بوصفها أحد شروط مرجع التقليد، ولم يوجّه المحشّون نقداً إليها.[٦] ومع ذلك، فقد ترددت في شرطية الذكورية لمقام الإفتاء، أو لم تقبلها، فقهاء كصاحب الجواهر،[٧] والمحقق الأصفهاني[٨] وسيد محسن حكيم.[٩]

أدلة عدم جواز تقليد المرأة

الفقهاء القائلون بعدم جواز تقليد المرأة، الذين يشكلون رأي المشهور، استندوا لإثبات دعواهم إلى أدلة من القرآن والروايات والإجماع ومذاق الشارع.

آية 34 سورة النساء

أول آية يستدل بها هذا الفريق هي آية 34 سورة النساء المعروفة بآية القوامة.[١٠] وبحسب التفسير المقدم لكلمة «قوامون» في هذه الآية، فإن «القيام والولاية والسياسة» مختصة بالرجال على النساء، وقد جعل الله هذه المزية للرجال لأسباب كـكمال العقل وقوة البدن الأكبر وتحمل النفقة والمهر للمرأة. وبناءً عليه، فبما أن المرجعية نوع من الولاية والقيادة الفكرية على المجتمع، فإن هذه المكانة تنحصر بالرجال لوجود العلل المذكورة فيهم وفقدانها عند النساء.[١١]

وفي نقد هذا الاستدلال قيل إن المراد بـ«القيام» في الآية هو التأديب وتدبير شؤون الحياة فقط، لا رئاسة عموم الرجال.[١٢] وقيل أيضاً إنه بالنظر إلى سياق الآية وذكر «الإنفاق»، فإن القوامة المذكورة ناظرة إلى رئاسة الرجل في إطار الأسرة وفي علاقة الزوجية، ولا يمكن تعميمها على سائر الميادين الاجتماعية، ومنها المرجعية التي هي ولاية فكرية. وبحسب هذا الرأي، فإن المرجعية مجرد بيان لحكم الله، وإن التزام المقلد بالفتوى ناشئ عن التعبد أمام الله، لا عن سيطرة شخص المرجع.[١٣]

آية 228 سورة البقرة

الآية الأخرى التي يُستشهد بها هي جزء من آية 228 سورة البقرة (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) المعروفة بآية الدرجة. ويرى المستدلون أن للرجال درجةً وفضلاً على النساء بسبب ما لهم من «القوة» و«الصلابة النفسية». وقد فُهم هذا الفضل بمعنى لزوم ابتعاد المرأة عن التدخل في الشؤون السياسية والإدارة العامة، ومنها المرجعية الدينية.[١٤]

ويقول المنتقدون في الرد إن هذه الآية وردت أيضاً في سياق أحكام الأسرة والطلاق، وإن كثيراً من المفسرين والفقهاء فسّروا كلمة «درجة» بالحقوق الخاصة للرجل في الأسرة، كـحق الطلاق والرجعة، لا بتفوق ذاتي في جميع الأمور الاجتماعية.[١٥] وقد قال محمداسحاق فياض أيضاً إن «الدرجة» في هذه الآية بمعنى «المنزلة» ضمن إطار الأسرة، لا التفوق المطلق. وهذه المنزلة تمنح الرجل حق «القوامة» على المرأة، والذي يشمل حق الاستمتاع وخيار الطلاق. في المقابل، فإن للمرأة حقوقاً كالنفقة والمسكن والملبس والمأكل؛ لكن خارج الأسرة، وفي الشؤون العامة للحياة كالسياسة والاقتصاد والتعليم، لا فرق بين المرأة والرجل.[١٦]

آية 33 سورة الأحزاب

يقوم الاستدلال بـآية 33 سورة الأحزاب (وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) على اشتراط الذكورية في مرجع التقليد على هذا المحور: أن الوظيفة الأساسية للمرأة هي «القرار في البيت» و«حفظ الحجاب» و«الابتعاد عن التبرج». فهذه الأمور ترسم طبيعة المرأة ووضعها على نحو يبعدها عن تحمل مسؤوليات تتطلب الارتباط الواسع بعامة الناس والحضور في الميادين الاجتماعية. ومع أن هذه القيود لا تعني الحرمان من العلم وطلب المعرفة، فإنها تحدد الدور الأساسي للمرأة في تربية الأسرة وبناء المجتمع من داخل البيت. وعليه، فإن طبيعة المرأة والوظائف المحددة لها تجعلها غير متناسبة مع تولي منصب المرجعية، الذي يستلزم الظهور والحضور في المجتمع.[١٧]

وفي نقد هذا الاستدلال قيل إن مقصود الآية ليس الملازمة المطلقة للبيت، بل الابتعاد عن التبرج على طريقة الجاهلية. وأيضاً، ففي عالم اليوم يمكن أن يتم جزء كبير من ارتباطات المرجع والمقلد دون حاجة إلى الحضور الجسدي، ومن خلال الوسائل الحديثة للاتصال.[١٨]

صحيحة أبي خديجة

تُعدّ صحيحة أبي خديجة من النصوص التي قد يُستفاد منها عدم أهلية المرأة للمرجعية. ففي هذه الرواية استخدم الإمام(ع) تعبير «رجل» للإحالة في الأمور القضائية: «انْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَائِنَا».[١٩] وقيل إن تعبير «إلى رجل منكم» يدل على اعتبار الرجولية.[٢٠]

ينتقد سيد أبوالقاسم خويي الاستدلال بصحيحة أبي خديجة، ويرى أن ذكر عنوان «رجل» في موضوع حكم الرجوع (إلى القاضي) إنما هو لمقابلة «أهل الجور وحكامهم» والنهي عن الرجوع إليهم. وأيضاً، بما أن أغلب القضاة في العرف كانوا رجالاً، ولم يكن قضاء النساء متعارفاً في ذلك الزمان، بل لم يُنقل ولو مورد واحد، فإن عنوان «الرجل» ذُكر في الرواية من باب الغلبة والشيوع، لا من باب التعبد وحصر القضاء بالرجال. وعليه، فإن هذه الرواية لا تدل على اعتبار الذكورية في باب القضاء، فضلاً عن الإفتاء. وفضلاً عن ذلك، لا دليل على الملازمة بين القضاء والإفتاء حتى تكون أحكام أحدهما معتبرة في الآخر.[٢١]

روايات ذم إيكال الأمور إلى النساء

لإثبات ذكورية مرجع التقليد استُند إلى روايات مضمونها عدم فلاح القوم الذين يوكلون أمورهم إلى النساء. وبحسب اعتقاد بعض الفقهاء، فإن هذه الروايات تدل بوضوح على عدم أهلية المرأة لتولي الأمور العامة ومنها مرجعية التقليد.[٢٢] ومن ذلك مثلاً رواية عن النبي(ص) يقول فيها: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.»[٢٣]

في المقابل، يرى عدد من الفقهاء أن هذه الروايات ليست «معتبرة»، ولا حتى «قابلة للتصديق». ومعنى هذه الروايات أن المرأة، لكونها امرأة، غير قادرة على إدارة شؤون البلد، وأن ولايتها على الأمور تؤدي إلى سقوط المجتمع في جميع أبعاده الحيوية. لكن تجربتنا اليوم تنفي ذلك، ويرد حضور النساء الناجح في الميادين الاجتماعية والعلمية المختلفة هذا الادعاء.[٢٤] وإضافة إلى ذلك، قيل إن هذه الروايات تتعارض مع قصة حكم ملكة سبأ في القرآن، التي وُصفت بالحكمة والعقلانية.[٢٥]

الإجماع

عدّ الشهيد الثاني «إجماع» الفقهاء أحد أدلة شرط الذكورية في المرجعية.[٢٦] وذكر المحقق الأصفهاني أيضاً أن هذا الحكم متسالم عليه من جانب جميع الفقهاء.[٢٧]

وقد واجه ادعاء الإجماع هذا انتقادات. أولاً، إن هذه المسألة لم تُطرح في كلمات الفقهاء قبل الشهيد الثاني، وقد يكون سكوتهم دليلاً على عدم الاتفاق في الرأي،[٢٨] وإن ما طُرح في كلام القدماء هو رجولية القاضي، ولا تلازم بين هذين الأمرين (القضاء والإفتاء).[٢٩] ثانياً، من المحتمل جداً أن يكون هذا الإجماع مدركياً، ومستنداً إلى الآيات والروايات نفسها التي طُرحت دليلاً على هذا الشرط، وليس دليلاً مستقلاً.[٣٠]

مذاق الشارع

آية الله الخويي، بعد نقد الأدلة اللفظية، يتمسك بالدليل اللبّي وغير اللفظي، أي مذاق الشارع. ويرى أنه يُستفاد من مجموع تعاليم الدين والشريعة أن المكان الأصلي للمرأة هو إدارة الشؤون الداخلية للبيت وحفظ الحرمة والحجاب، وأن تولي منصب المرجعية الذي يستلزم الرئاسة العامة والمراودات الواسعة لا يتناسب مع هذا المذاق والروح العامة للشريعة.[٣١]

وقد قيّم بعض الباحثين هذا الاستدلال على نحو خاص. ومن منظورهم فإن أهم نقد لهذا الرأي يتعلق بتعريف «مذاق الشريعة»؛ إذ يُطرح السؤال الأساسي: هل روح الشريعة العامة هي المنع المطلق للحضور الاجتماعي للمرأة، أم أن تأكيدها ينصب فقط على رعاية أحكام كـالحجاب وحفظ الحرمة، وهو ما لا يتنافى مع المسؤولية الاجتماعية؟ إلى جانب ذلك، يُعدّ الجمع بين السير العقلائية ومذاق الشريعة أمراً يحتاج إلى دقة؛ فيُنظر فيما إذا كان المذاق المكتشف يُلغي عمومية هذه السير أو أن له دوراً تأكيدياً فقط. كما عُدّ الانتباه إلى لوازم الاستنباط وإمكان تعميمه على المسائل المشابهة أمراً ضرورياً لضمان صحة الاستدلال.[٣٢]

أدلة جواز تقليد المرأة

في مقابل رأي المشهور، يرى فريق من الفقهاء المعاصرين، انطلاقاً من نقد أدلة القول المشهور، أنه لا يوجد أي دليل معتبر على شرط الذكورية للمرجعية. وتقوم أدلة هذا الفريق الإثباتية أساساً على إطلاق آيات من القرآن، وبعض الروايات، وسيرة المعصومين، وكذلك بناء العقلاء. ومع ذلك، يرى المخالفون لتقليد المرأة أن جميع الأدلة التي يدّعيها الموافقون على تقليد المرأة مقيّدة بأدلة رأي المشهور.

إطلاق الآيات

  • آية أهل الذكر: يرى بعض الباحثين أن آية 43 سورة النحل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)، بوصفها أصلاً عقلائياً كلياً، أي رجوع الجاهل إلى العالم، أساسٌ لأصل التقليد. وبحسب قولهم، فإن عبارة «أهل الذكر» ليس فيها أي قيد من حيث الجنس، وتشمل كل عالم، من النساء والرجال على حد سواء.[٣٣]
  • آية النفر: أمر الله في آية 122 سورة التوبة فئةً من المؤمنين بأن ينفروا لتحصيل العلم العميق في الدين (التفقه). وكلمة «طائفة» (فئة) مطلقة أيضاً، وتشمل الرجال والنساء معاً، ولم تقيّد وظيفة التفقه والإنذار بجنس معين.[٣٤]
  • آية 18 سورة الزمر: يرى محمد صادقي طهراني أن ماهية التقليد هي «اتباع أحسن القول»، ومستنداً إلى آية 18 سورة الزمر التي تؤكد اتباع أحسن القول، يعتقد أن الشرط الوحيد لمرجع التقليد هو أن يكون الأعلم والأتقى، ليكون قوله أقرب إلى الواقع. وبناءً على ذلك، ليس الذكورية شرطاً فحسب، بل إن الحياة والبلوغ وسائر الشروط المذكورة لمرجع التقليد ليست شروطاً أيضاً.[٣٥]

إطلاق الروايات

استند عدد من الفقهاء إلى إطلاق رواية الحوادث الواقعة[٣٦] الواردة عن الإمام المهدي(ع). وبناءً على ذلك قيل إن عبارة «رواة حديثنا» (رواة حديثنا)، التي فُسّرت بالفقهاء الجامعين للشرائط، عامة وتشمل أيضاً النساء الفقيهات والراويات للحديث.[٣٧] وتمسك بعضهم أيضاً بإطلاق رواية الإمام العسكري(ع) حول صفات مرجع التقليد.[٣٨] وفي هذه الرواية، لا يرتبط أي من المعايير والصفات العلمية والأخلاقية التي عُدّت للمرجعية بالجنس.[٣٩]

سيرة المعصومين(ع)

أجاز يوسف صانعي قضاء المرأة ومرجعيتها، واستند في ذلك إلى سيرة السيدة الزهراء(س) والسيدة زينب(س).[٤٠] واستدل محمدابراهيم الجناتي أيضاً على جواز تقليد المرأة بالسيرة العملية للمعصومين. وقد ذكر في هذا الشأن شاهدين: أولاً، ورد أن الإمام الصادق(ع) كان يُحيل النساء إلى زوجته حميدة المصفّاة لتعلّم أحكام الحج.[٤١] ثانياً، استُدل على هذه السيرة العملية بسؤال وجواب عن الإمام(ع)، فقد سأل الراوي عن إمكان نيابة المرأة عن الرجل في حج التمتع، فأجاز الإمام(ع) ذلك بشرط كون المرأة مسلمة فقيهة (مُسْلِمَةً فَقِيهَة)، ثم قال: «فَرُبَّ امْرَأَةٍ أَفْقَهُ مِنْ رَجُل»[٤٢] وفي نقل آخر قال: «رُبَّ امْرَأَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَجُل».[٤٣]

سيرة العقلاء

يُعدّ أهم دليل وأساسه على جواز تقليد المرأة هو السيرة المستمرة وبناء العقلاء في جميع المجتمعات.[٤٤] وبناءً على ذلك قيل إن العقلاء يوجبون في جميع الأمور التخصصية رجوع غير المتخصص إلى المتخصص، ولا تأثير لجنس المتخصص (كالطبيب والمهندس وغيرهما) في هذا الرجوع. فالمعيار الأساسي هو التخصص والأعلمية فقط، وبما أن الشارع المقدس لم يردع عن هذا البناء العقلائي وأمضاه بسكوته، فإن القاعدة نفسها جارية في أمر الدين؛ وبالتالي، إذا بلغت امرأة درجة الأعلمية في الفقه، فإن الرجوع إليها يكون مطابقاً لهذه السيرة العقلائية.[٤٥]

جواز تقليد النساء للنساء

ذهب بعض الفقهاء المعاصرين، بالتفصيل بين مرجعية المقلدين الرجال ومرجعية المقلدات النساء، إلى أن الثانية مسلّمة للنساء. وبحسب هذه النظرية، حتى لو قبلنا أدلة عدم جواز تقليد المرأة، ولم نقبل مرجعية المرأة للرجال بسبب مسائل كالقوامة أو مذاق الشارع، فلا يوجد أي دليل على منع تقليد النساء للمجتهدة. ومن بينهم آية الله جوادي آملي الذي لم يستبعد جواز تقليد النساء للمجتهدة الأعلم.[٤٦] كما يقول آية الله الخامنئي في هذا الشأن: «اليوم، والحمد لله، ليس عدد النساء المجتهدات قليلاً. وإنني حتى أرى أن كثيراً من المسائل النسائية التي موضوعها النساء، والرجال لا يشخّصون الموضوع بدقة، يجب على السيدات أن يقلّدن المجتهدة».[٤٧]

الهوامش

  1. ↑ مشكيني، مصطلحات الفقه، ص157.
  2. ↑ انصاري، الاجتهاد والتقليد، ص57.
  3. ↑ مؤمني وأدبي فيروزجاه، «مرجعيت تقليد زنان در فقه اسلامي» (مرجعية تقليد النساء في الفقه الإسلامي)، ص132.
  4. ↑ عاملي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص236.
  5. ↑ سيفي مازندراني، الاجتهاد والتقليد، ص111-112.
  6. ↑ يزدي، العروة الوثقى، ج1، ص26.
  7. ↑ نجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج40، ص22.
  8. ↑ اصفهاني، بحوث في الأصول، ج3، ص68.
  9. ↑ حكيم، مستمسك العروة الوثقى، ج1، ص43.
  10. ↑ اردكاني، الاجتهاد والتقليد، ص74.
  11. ↑ حسيني طهراني، ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج3، ص145-146.
  12. ↑ اردكاني، الاجتهاد والتقليد، ص74.
  13. ↑ ساساني وميراحمدي، «تحليل و ارزيابي ادله فقهاي اماميه درباره مرجعيت زنان با تأكيد بر ديدگاه‌هاي آيت‌الله خامنه‌اي» (تحليل وتقييم أدلة فقهاء الإمامية حول مرجعية المرأة مع التأكيد على آراء آية الله الخامنئي)، ص99-100.
  14. ↑ معرفت، تعليق وتحقيق عن أمهات مسائل القضاء، ص309.
  15. ↑ ايزدي‌فرد وكاويار، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، ص214.
  16. ↑ فياض كابلي، المسائل المستحدثة، ص245.
  17. ↑ سند، سند العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد، ج2، ص66-67.
  18. ↑ ايزدي‌فرد وكاويار، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، ص214-215.
  19. ↑ كليني، الكافي، ج7، ص412.
  20. ↑ سيفي مازندراني، الاجتهاد والتقليد، ص117-118.
  21. ↑ خويي، التنقيح في شرح العروة الوثقى؛ الاجتهاد والتقليد، ص225.
  22. ↑ سند، سند العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد، ج2، ص109-110.
  23. ↑ الراوندي، الخرائج والجرائح، ج1، ص79.
  24. ↑ فياض كابلي، المسائل المستحدثة، ص246.
  25. ↑ ايزدي‌فرد وكاويار، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، ص216.
  26. ↑ عاملي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج1، ص236.
  27. ↑ اصفهاني، بحوث في الأصول، ج3، ص68.
  28. ↑ سيفي مازندراني، الاجتهاد والتقليد، ص112.
  29. ↑ قائني، «تقليد از مجتهد زن (1)» (تقليد المجتهدة (1))، ص39.
  30. ↑ مؤمني وأدبي فيروزجاه، «مرجعيت تقليد زنان در فقه اسلامي» (مرجعية تقليد النساء في الفقه الإسلامي)، ص140.
  31. ↑ خويي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الاجتهاد والتقليد، ص226.
  32. ↑ رفعت‌نژاد ومهدي‌فر، «مذاق شريعت و تصدي مناصب عمومي توسط زنان» (مذاق الشريعة وتولي المرأة للمناصب العامة)، ص352-353.
  33. ↑ ايزدي‌فرد وكاويار، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، ص219-220.
  34. ↑ ساساني وميراحمدي، «تحليل و ارزيابي ادله فقهاي اماميه درباره مرجعيت زنان با تأكيد بر ديدگاه‌هاي آيت‌الله خامنه‌اي» (تحليل وتقييم أدلة فقهاء الإمامية حول مرجعية المرأة مع التأكيد على آراء آية الله الخامنئي)، ص109.
  35. ↑ صادقي طهراني، توضيح المسائل نوين، ص26.
  36. ↑ صدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص484.
  37. ↑ ايزدي‌فرد وكاويار، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، ص223.
  38. ↑ طبرسي، الاحتجاج، ج2، ص458.
  39. ↑ جناتي، ادوار فقه وكيفيت بيان آن (أدوار الفقه وكيفية بيانه)، ص369.
  40. ↑ صانعي، مجمع المسائل، ج2، ص22.
  41. ↑ طوسي، تهذيب الأحكام، ج5، ص410.
  42. ↑ كليني، الكافي، ج4، ص306.
  43. ↑ طوسي، تهذيب الأحكام، ج5، ص413.
  44. ↑ حائري يزدي، شرح العروة الوثقى، ج1، ص44.
  45. ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج29، ص422.
  46. ↑ جوادي آملي، توضيح المسائل، ص22.
  47. ↑ خامنه‌اي، «بيانات در ديدار اقشار مختلف بانوان با رهبر انقلاب» (بيانات في لقاء فئات مختلفة من السيدات مع قائد الثورة)، مندرج في موقع خامنه‌اي دات آي ار.

المصادر

  • ابن بابويه، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، طهران: الإسلامية، 1395ش.
  • اردكاني، مرتضى بن محمد، الاجتهاد والتقليد، قم: المؤلف، 1402هـ.
  • اصفهاني، محمد حسين، بحوث في الأصول، قم: 1416هـ.
  • انصاري، مرتضى، الاجتهاد والتقليد، قم: كتابفروشي مفيد، 1404هـ.
  • ايزدي‌فرد، علي‌أكبر؛ كاويار، حسين، «واكاوي ادله ناظر بر مرجعيت زنان در فقه اماميه» (دراسة الأدلة الناظرة إلى مرجعية المرأة في الفقه الإمامي)، راهبرد، العدد 65، 1391ش.
  • جناتي، محمدابراهيم، ادوار فقه وكيفيت بيان آن (أدوار الفقه وكيفية بيانه)، طهران: كيهان، 1374ش.
  • جوادي آملي، عبدالله، توضيح المسائل، قم: إسراء، بلا تاريخ.
  • حائري يزدي، مرتضى بن عبد الكريم، شرح العروة الوثقى، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1426هـ.
  • حسيني طهراني، سيد محمد حسين، ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، بيروت: دار الحجة البيضاء، 1418هـ.
  • حكيم، سيد محسن طباطبايي، مستمسك العروة الوثقى، قم: مؤسسة دار التفسير، 1416هـ.
  • خامنه‌اي، سيد علي، «بيانات در ديدار با اقشار مختلف بانوان» (بيانات في لقاء فئات مختلفة من السيدات)، مندرج في موقع خامنه‌اي دات آي ار، تاريخ الدرج 27 آذرماه 1403ش، تاريخ المراجعة 23 آذرماه 1404ش.
  • خويي، سيد أبوالقاسم الموسوي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، قم: تحت إشراف جناب آقاي لطفي، 1418هـ.
  • راوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح، قم: مؤسسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، 1409هـ.
  • رفعت‌نژاد، فائزه؛ مهدي‌فر، محمد، «مذاق شريعت و تصدي مناصب عمومي توسط زنان» (مذاق الشريعة وتولي المرأة للمناصب العامة)، فقه ومباني حقوق اسلامي، العدد 56، 1402ش.
  • ساساني، فرشته؛ ميراحمدي، عبدالله، «تحليل و ارزيابي ادله فقهاي اماميه درباره مرجعيت زنان با تأكيد بر ديدگاه‌هاي آيت‌الله خامنه‌اي (مدظله العالي)» (تحليل وتقييم أدلة فقهاء الإمامية حول مرجعية المرأة مع التأكيد على آراء آية الله الخامنئي)، پژوهشنامه اسلامي زنان وخانواده، العدد 19، 1399ش.
  • سند، محمد، سند العروة الوثقى كتاب الاجتهاد والتقليد، طهران: دار الكوخ، 1394ش.
  • سيفي مازندراني، علي أكبر، دليل تحرير الوسيلة للإمام الخميني؛ الاجتهاد والتقليد، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني(ره)، 1436هـ.
  • صادقي طهراني، محمد، توضيح المسائل نوين (توضيح المسائل الحديث)، طهران: اميد فردا، 1384ش.
  • صانعي، يوسف، مجمع المسائل، قم: فقه الثقلين، 1387ش.
  • طبرسي، احمد بن علي، الاحتجاج، مشهد: نشر مرتضى، 1403هـ.
  • طوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، طهران: دار الكتب الإسلامي، 1407هـ.
  • عاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، قم: انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، 1412هـ.
  • فياض كابلي، محمد اسحاق، المسائل المستحدثة، الكويت: مؤسسة المرحوم محمد رفيع حسين، 1426هـ.
  • قائني، محمد، «تقليد از مجتهد زن (1)» (تقليد المجتهدة (1))، فقه واجتهاد، العددان 6 و7، 1396ش.
  • كاشف الغطاء (نجفي)، محمد حسين، تحرير المجلة، النجف: المكتبة المرتضوية، 1359ش.
  • كليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
  • مشكيني، ميرزا علي، مصطلحات الفقه (مصطلحات الفقه)، قم: بلا ناشر، بلا تاريخ.
  • مؤمني، عابدين؛ أدبي فيروزجاه، عابده، «مرجعيت تقليد زنان در فقه اسلامي» (مرجعية تقليد النساء في الفقه الإسلامي)، فقه ومباني حقوق اسلامي، العدد 55، 1404ش.
  • مطهري، مرتضى، مجموعه آثار استاد شهيد مطهري (مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهري)، طهران: صدرا، 1376ش.
  • معرفت، محمد هادي، تعليق وتحقيق عن أمهات مسائل القضاء (تعليق وتحقيق عن أمهات مسائل القضاء)، قم: چاپخانه مهر، بلا تاريخ.
  • نجفي (صاحب الجواهر)، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1404هـ.
  • يزدي، سيد محمد كاظم، العروة الوثقى، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1419هـ.