انتقل إلى المحتوى

الدية بوصفها عقوبة

من موسوعة الفقه المعاصر
مراجعة ٢٠:٢٧، ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ بواسطة Armodir (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب'{{مؤلف |مؤلف = علي شريفي |مؤلف2 = |مؤلف3 = |إعداد = |محرر1 = |محرر2 = |محرر3 = }} * '''الملخص''' '''الدية بوصفها عقوبة''' (في مقابل جبر الضرر وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لـماهية الدي...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

مؤلف: علي شريفي



  • الملخص

الدية بوصفها عقوبة (في مقابل جبر الضرر وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التفسيرات الأربعة لـماهية الدية في الفقه. ووفق القواعد الفقهية، إذا كانت الدية نوعًا من العقوبة، فبما أنها من العقوبات المحددة لا يمكن تقليلها أو زيادتها.

وقد ذُكرت عدة أدلة لإثبات كون الدية عقوبة؛ منها أن الدية في بعض الموارد بدل عن العقوبة، فتكون هي أيضًا عقوبة، أو أن للدية وظيفة زجرية وردعية وهذا علامة على كونها عقوبة، أو أن الدية قد حُدّدت حتى في الجناية على الميت، وهذا لا يمكن أن يعني إلا العقوبة لأن الضرر على الميت لا معنى له. ويُعدّ تغليظ الدية في الأشهر الحرم دليلًا آخر ذُكر لكون ماهية الدية عقوبة.

وقد وُجّهت انتقادات إلى استدلالات كون ماهية الدية عقوبة؛ منها عدم تمامية الاستدلالات، وفضلًا عن ذلك أن الدية في بعض الموارد واجبة على العاقلة، في حين أنها لو كانت عقوبة لكانت عقوبة غير المجرم قبيحة.

الأهمية والمكانة

اعتبار الدية نوعًا من العقوبة أحد الأجوبة التي أبداها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية حقوقي أكثر مما هو فقهي، لكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، أو يصعب ذلك، إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها؛ كمسائل الأضرار الزائدة على الدية، ونفقات العجز عن العمل، وعدم المساواة بين دية المرأة والرجل، وعدم المساواة بين دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان وأمثال ذلك، مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد ماهية الدية يتمكن الفقهاء من إعادة النظر في هذه الأحكام. وتُعدّ النظريات القائلة بأن الدية ضرر مدني، والرأي التلفيقي، واعتبارها بدل تراضٍ نظريات منافسة.

شرح النظرية

يرى بعض الحقوقيين أن ماهية الدية عقوبة، وأنها من العقوبات المالية. وقانون العقوبات الإسلامي (المصادق عليه عام 1392هـ.ش) عدّ الديات أيضًا من العقوبات الإسلامية، وجعل العقوبات الإسلامية في المادة 14 تشمل الحدود والقصاص والديات والتعزيرات.[١]

ويمكن عدّ مؤلف كتاب «الدية أو العقوبة المالية» من أنصار هذه النظرية.[٢] ومن بين المؤلفين العرب قبِل هذا الرأي الدكتور محمد رشدي محمد إسماعيل[٣] وأحمد الحصري.[٤]

فإذا كانت ماهية الدية عقوبة، وجب أن تتبع الخصائص الأساسية للعقوبة، كالوظيفة الزجرية، ولزوم العنصر المعنوي (العمد أو التقصير)، والتناسب بين الجريمة والعقوبة وأمثال ذلك، وفقهيًّا، لأنها من العقوبات المحددة، لا يمكن تقليل مقدارها أو زيادته.

أدلة القائلين بكون الدية عقوبة

يمكن تلخيص أهم أدلة هذا الرأي في الأمور التالية:

كون الدية بدلًا عن العقوبة

الدية في بعض الموارد بدل عن العقوبة، وما كان بدلًا عن العقوبة فهو بدوره عقوبة. أحدهما في القتل العمد حين يعفو أولياء الدم عن القاتل ويرضون بالدية. والآخر في الموارد التي لا يمكن فيها تنفيذ القصاص لأي سبب فيتحول إلى دية؛ كموت القاتل أو فراره، وتعذّر المماثلة في القصاص في الأعضاء.[٥]

وقال المنتقدون في نقد الاستدلال المذكور إن الدليل الأول غير تام، لأن العقوبة الشرعية في القتل العمد هي القصاص، والدية ليست بدلًا عنه، بل هي اتفاق بين أولياء الدم والجاني.[٦]

الوظيفة الزجرية للدية

للدية وظيفة زجرية، لأنها تنبّه الجاني وتمنعه من تكرار ارتكاب القتل أو الجرح، وكل ما له وظيفة زجرية فهو عقوبة، لأن الزجر من الخصائص الأساسية لكل عقوبة.

وقد أُجيب عن هذا الاستدلال بأن وجود الخاصية الزجرية لا يساوي بالضرورة كون الشيء عقوبة، لأن هذه الخاصية والأثر موجودان أيضًا في التعويض المالي الذي هو مجرد مسألة مدنية.[٧]

تحديد الدية في الجناية على الميت

الشرع المقدس حدّد الدية في الجناية على الميت أيضًا، في حين أن الضرر على الميت لا معنى له، فلا بد أن تكون عقوبة تُطبَّق بسبب ارتكاب عمل شنيع وحرام.

وأجاب بعض المؤلفين عن هذا الاستدلال بأن دية الجناية على الميت تختلف عن دية الجناية على الحي بل وعن دية الجناية على الجنين؛ لأنها أولًا لا تُعطى للورثة، وثانيًا لا يتضح، بخلاف سائر الديات، وجوب دفع الدية في فرض الخطأ أيضًا، ولذلك نصّ بعض الفقهاء[٨] على أن دية الجناية على الميت لا تجب في فرض الخطأ.[٩]

تغليظ الدية

في بعض الموارد، كالأشهر الحرم أو الأماكن الخاصة كالحرم المكي، تُغلَّظ الدية. ويتم هذا التغليظ بسبب هتك حرمة الشهر الحرام أو المكان المقدس، وهو عقوبة بوضوح. ولو كانت الدية مجرد ضرر لما ينبغي أن يكون للزمان والمكان دخل في مقدارها. وقد نصّ بعض الفقهاء على أن تغليظ الدية عقوبة وأن علته هتك الحرمة.[١٠]

وفي الجواب قال بعض الفقهاء إن فلسفة تغليظ الدية في الأصل تعظيم حرمة المقتول في الأشهر الحرم، كتعظيم حرمة الرجل على المرأة أو المسلم على الكافر، ولا علاقة لها بكونها عقوبة، ولذلك يوجد تغليظ الدية حتى في القتل الخطأ.[١١] وعلى أي حال فإن كون تغليظ الدية عقوبة غير مسلَّم بين الفقهاء، ولم يُنصّ في أي دليل على أن التغليظ من باب العقوبة.

الانتقادات الموجهة إلى كون الدية عقوبة

تعرضت أدلة كون الدية عقوبة، كلٌّ منها، للنقد والإشكال من قبل المفكرين. وقد طُرح في نقد الأدلة المقدمة من أنصار هذه النظرية نوعان من الإشكالات؛ الأول إشكالات ناظرة إلى عدم تمامية أدلة هذا الرأي، والثاني إشكالات نقضية وتناقضات يواجهها هذا الرأي.

ومن النقوض يمكن الإشارة إلى أن الدية في بعض الموارد على العاقلة، في حين أن عقوبة غير المجرم قبيحة، أو أنها لو كانت عقوبة لوجب إيداعها في خزينة الدولة، في حين أنها تُعطى للمجني عليه أو أولياء الدم فقط.

الهوامش

  1. ↑ تجدر الإشارة إلى أن موقف قانون العقوبات الإسلامي في هذا الشأن متناقض، فبينما يعدّ في المواد المذكورة وبعض المواد الأخرى ماهية الدية عقوبة صراحةً، ينص في المادة 452 على أن لها أحكام المسؤولية المدنية أو الضمان وآثارها.
  2. ↑ صالحي، الدية أو العقوبة المالية، ص45-50.
  3. ↑ أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض، ص548، نقلًا عن: محيي الدين عوض، الفقه الجنائي الإسلامي، ص77.
  4. ↑ الحصري، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، ص438.
  5. ↑ الخوئي، مباني تكملة المنهاج، ج42، ص154.
  6. ↑ شريفي، حاجي‌ده‌آبادي، «كشف جديد في ماهية الدية»، ص359.
  7. ↑ صالحي، الدية أو العقوبة المالية، ص45.
  8. ↑ الفيض الكاشاني، مفاتيح الشرائع، ج2، ص155.
  9. ↑ شفيعي سروستاني وآخرون، قانون الديات ومقتضيات العصر، ص64-73.
  10. ↑ الروحاني، فقه الصادق (ع)، ج26، ص191.
  11. ↑ الحكيم، مسائل معاصرة في فقه القضاء، ص150.

المصادر

  • أحمد إدريس، عوض، الدية بين العقوبة والتعويض في الفقه الإسلامي المقارن، بيروت، دار مكتبة الهلال، 1986م، الأولى.
  • الحصري، أحمد، القصاص، الديات، العصيان المسلح في الفقه الإسلامي، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1393هـ، الأولى.
  • الحكيم، السيد محمد سعيد، مسائل معاصرة في فقه القضاء، النجف، دار الهلال، 1427هـ، الثانية.
  • الخوئي، السيد أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج (موسوعة 42)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1422هـ.
  • الروحاني، السيد صادق، فقه الصادق (ع)، د.ن، د.ت، د.م.
  • شريفي، علي؛ حاجي‌ده‌آبادي، أحمد، «كشف جديد في ماهية الدية»، فصلية «پژوهش‌هاي فقهي»، المجلد 17، ع2، جامعة طهران.
  • شفيعي سروستاني، إبراهيم؛ رحمان ستايش، محمد كاظم؛ قياسي، جلال الدين؛ قانون الديات ومقتضيات العصر، طهران، مركز البحوث الاستراتيجية برئاسة الجمهورية، 1376هـ.ش، الأولى.
  • صالحي، فاضل، الدية أو العقوبة المالية، قم، مركز انتشارات مكتب الإعلام الإسلامي، 1378هـ.ش.
  • الفيض الكاشاني، محمد محسن، مفاتيح الشرائع، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، د.ت، الأولى.