محمد الطاهر بن عاشور
مؤلف: علي شفيعي
| الاسم | محمد الطاهر بن عاشور |
|---|---|
| المذهب | المالكي |
| الجنسية | تونسية |
- الملخص
محمد الطاهر بن عاشور (1296–1393هـ) مفسّر وفقيه تونسي، ومنظّر في مقاصد الشريعة، عُرف في العالم الإسلامي بكتابه «مقاصد الشريعة» وتفسيره «التحرير والتنوير». كان ابن عاشور أشعري العقيدة، مالكي المذهب، ويُعدّ من العلماء الإصلاحيين الذين أسّسوا لتحولات وتجديدات كثيرة في المجالات العلمية والاجتماعية في تونس.
كان ابن عاشور يرى الإسلام دينًا يقوم على السماحة والتسامح، ولذلك رأى فيه إمكانات للحضور في المجالين الاجتماعي والسياسي، ونظر إلى النصوص الوحيانية من هذا المنظور. وانتقد المسلمين العلمانيين الذين يحصرون الإسلام في نطاق محدود، ولم يرَ أن الإسلام منفصل عن مجال الحكم.
وانطلاقًا من توجهه الإصلاحي، رأى ابن عاشور الفقه قادرًا على الاستجابة لمتطلبات العصر، وسعى إلى تحقيق ذلك من خلال الاهتمام بمقاصد الشارع، والإيمان بما تتيحه السماحة والتيسير، وقبول تعليل الأحكام الاجتماعية. وعلى هذا الأساس أعاد قراءة أحكام متعددة، مثل الهدي في الحج، وضرب النساء، وبنية الحكم، والمشقة في الصيام، وأبدى فيها آراء جديدة.
طرح ابن عاشور مقاصد الشريعة لتجديد أصول الفقه، وربما بوصفها علمًا يمكن أن يحلّ محلّه، وسعى من خلال نظرية المقاصد إلى الانتقال من النظرة التجزيئية إلى الأحكام وفهمها فهمًا فرديًا، إلى نظرة اجتماعية وكلية. ومع ذلك، لم تغب تجديداته في الفكر المقاصدي والتفسير، ونظرته الاجتماعية إلى التعاليم الدينية، عن أنظار النقاد؛ فقد حاول بعض الباحثين تحليل الآثار الإيجابية والسلبية لتراثه الفكري.
التعريف بشخصية ابن عاشور
وُلد محمد الطاهر بن عاشور (1879–1973م)، شيخ الإسلام المالكي في تونس وشيخ جامع الزيتونة، في «المرسى»، إحدى المناطق الشمالية في تونس. حفظ القرآن، وتعرّف أيضًا إلى اللغة الفرنسية. ويُعدّ باحثًا وأديبًا ومفسّرًا وأصوليًا ومنظّرًا في مقاصد الشريعة والنظام الاجتماعي والسياسي للدين.[١] وحصل على إجازة الاجتهاد من أربعة من أساتذته. وتأثر بالتحول الفكري الذي أحدثه أشخاص مثل جمال الدين الأسدآبادي ومحمد عبده، فأصبح من أبرز رواد التغيير في مجتمعه. وتوفي يوم السبت، 13 رجب 1394هـ.
مؤلفات ابن عاشور
لابن عاشور مؤلفات كثيرة، لا تندرج في مجال واحد، غير أن التجديد يمثل قاسمًا مشتركًا بينها. وله نحو 38 مؤلَّفًا منشورًا، فضلًا عن مؤلفات كثيرة غير منشورة.[٢] ومن مؤلفاته التي تعكس أفكاره بشأن مشكلات المسلمين المعاصرة:
- تفسير التحرير والتنوير: تُعدّ هذه الموسوعة العلمية القرآنية من أبرز آثاره الباقية، ومن التفاسير المهمة في العصر الحديث، وقد صُنّفت على نهج تفسير القرآن بالقرآن.[٣] وتعتمد، بوصف ذلك أحد مرتكزاتها المنهجية، على الاهتمام بالأحاديث والشعر واللغة والإعراب والبلاغة وغيرها، وهو ما عبّر عنه بعض الباحثين بـ«الدراية».[٤] وقد أُلّف هذا التفسير وفق توجه إصلاحي، فلم يكن غافلًا عن أسئلة عصره وتحدياته.
- مقاصد الشريعة الإسلامية: يبيّن ابن عاشور في هذا الكتاب مكانة علم مقاصد الشريعة في الفقه، ويطرح اقتراح إحلال هذا العلم محل علم أصول الفقه.
- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: يتناول ابن عاشور في هذا المؤلَّف عوامل تقدم المجتمع الإسلامي الأول وعوامل ركوده، ويؤكد انسجام أسس النظام الاجتماعي مع الفطرة البشرية، ويعدّ الاعتدال وسعة الأفق والتمحور حول الحق والطابع الاعتباري من خصائصه.
- نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم: يؤكد ابن عاشور في هذا الكتاب عدم انفصال الدين عن السياسة، وينتقد الفكر القائم على الفصل بينهما، الذي طرحه أشخاص مثل علي عبد الرازق.
ابن عاشور وتهيئة الفقه للحضور في العالم الحديث
يتسم الفقه المالكي بخصائص جعلت التجديد فيه أيسر، بالمقارنة مع المذاهب الأخرى؛ ومنها: (أ) المرونة في الأصول، (ب) الاهتمام بمقاصد الشريعة، (ج) مراعاة المصالح في الأحكام الاجتماعية، (د) الاهتمام بمسائل مثل «الخلاف» و«مكانة العرف» ونحوها، مما يسهم في تعزيز القدرة الفكرية وتوسيع آفاق فقهاء هذا المذهب.[٥]
يرجع بعض تجديدات ابن عاشور الفقهية إلى انتمائه المذهبي، ويرجع بعضها الآخر إلى طبيعة نظرته إلى الشريعة والدين.
الانفتاح الفكري ونبذ التعصب
من الموضوعات التي اهتم بها ابن عاشور في آيات الأحكام الانفتاح الفكري ونبذ التعصب الفقهي،[٦] وهو ما ينبع من ارتباطه بالفقه المالكي. وتُعدّ هذه السمة من خصائص المدرسة التفسيرية في الغرب الإسلامي،[٧] كما عُدّت من خصائص المذهب المالكي.[٨]
التوسع في الاستفادة من المصالح المرسلة
يعمل مالك بالمصالح المرسلة أكثر من غيره من الأئمة، ويقول بالتوسع في الاستفادة منها.[٩] وقد تناول ابن عاشور أيضًا بحث المصلحة في الشريعة بالتفصيل في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وقسّمها إلى عامة وخاصة. فالمصلحة العامة عنده كل ما فيه صلاح عموم الناس، والمصلحة الخاصة ما يتحقق به صلاح الأفراد دون النظر إلى حالتهم الاجتماعية.[١٠]
نظرية السماحة والتيسير في الشريعة
من الأسس الأخرى التي اعتمدها ابن عاشور في التعامل مع آيات الأحكام إيمانه بالسماحة والتيسير. وقد عدّ السماحة، في تفسيره وسائر مؤلفاته، من أهم الركائز النظرية للإسلام، ومن الأسس المهمة للشريعة.
مفهوم السماحة ومكانتها في الإسلام عند ابن عاشور
يرى ابن عاشور أن أول خصائص الشريعة الإسلامية وأعظم مقاصدها السماحة والرفق بالمؤمنين،[١١] ويستدل على صحة هذا التصور بآيات، منها البقرة: 85، والحج: 78، والمائدة: 6، وبعدد من الروايات عن النبي (ص).[١٢] ويعدّ السماحة من لوازم كون الإسلام دين الفطرة، ويصرّح بأن أهم ما يميز الإسلام عن الأديان الأخرى قيامه على الفطريات.[١٣] والسماحة عند ابن عاشور منزلة بين التشدد والتفريط، وترجع إلى معنى الاعتدال والوسطية.[١٤]
وللسماحة، في نظر ابن عاشور، أثر عظيم في انتشار الشريعة واستمرارها. وبجمع هذه الأدلة يستنتج أنها من أهم المباحث الدينية.[١٥] ويرى الشريعة الإلهية شريعة تتصف بالسماحة والبعد عن العنف، والثبات والتغير في التشريع، والمساواة والحرية.[١٦]
تطبيق السماحة على أحكام الصيام
انطلاقًا من السماحة في الشريعة، واستنادًا إلى لفظ «يطيقون» في الآية 184 من سورة البقرة، يقول ابن عاشور بجواز الإفطار لكل من يشق عليه الصيام أو يخشى منه ضررًا، كالمسنين والمرضعات والحوامل. ويختلف تطبيق هذا الحكم باختلاف الأمزجة وأوقات الصيام ومهن الصائمين؛ ولذلك فإن أصحاب المهن والأعمال الشاقة يأخذون حكم المسنين والمرضعات والحوامل.[١٧]
تعليل الأحكام بوصفه مدخلًا لمواكبة العقلانية المعاصرة
من الأسس المؤثرة في مراعاة المصالح وإضفاء الطابع العقلاني على الفقه مدى الالتزام بظواهر الأحكام، أو فتح المجال لتعليلها. وابن عاشور من العلماء الذين قبلوا تعليل الأحكام.[١٨]
أقام ابن عاشور نظريته في مقاصد الشريعة على ثلاثة أسس عقلية: الفطرة، والمصلحة، والتعليل. وربط عقلانية التفكير الديني في مجال التشريعات بالقول بتعليل الأحكام، وعبّر عن ذلك بـ«معقولية التشريع».[١٩] ويرى أن إنكار التعليل يؤدي إلى الجمود على ظواهر الألفاظ الشرعية في الاستدلال، مما يفضي إلى توقف الشريعة عن إثبات الأحكام في الوقائع المستجدة، ويُخشى أن يؤدي إلى إنكار صلاحيتها لكل زمان ومكان.[٢٠]
ويعدّ ابن عاشور جميع أحكام العبادات والمعاملات، باستثناء الأحكام التعبدية المحضة، قابلة للتعليل، ويمكن الوصول إلى عللها بالاجتهاد.[٢١] وقد دفعت هذه النظرية بعض المفكرين إلى انتقاده بسبب بحثه عن العلل حتى في أدق المسائل الفقهية.[٢٢]
في مسألة ضرب النساء
يؤكد ابن عاشور، في بحث ضرب النساء عند تفسير الآية 34 من سورة النساء، أنه لا يمكن الاستدلال على جواز ضرب الزوجة بإطلاق، اعتمادًا على ضرب ناشئ عن نشوز أو سلوك مستهجن بحسب العرف العربي؛ إذ إن هذا الحكم جاء مراعيًا عرف المجتمع العربي آنذاك، كما روعيت فيه اختلافات الناس. ولمنع إساءة الرجال استعمال هذا الحكم، يشير في تفسيره إلى دور السلطة، مؤكدًا أن «قلّ من يعاقب على قدر الذنب». ويرى أن السلطة، لمنع إساءة استعمال مثل هذه الأحكام، تستطيع أن تتولى تنفيذها بنفسها، وأن تعاقب كل من يقدم على تنفيذها من تلقاء نفسه.[٢٣]
ابن عاشور ومقاصد الشريعة
على الرغم من مرور سنوات طويلة على الطبعة الأولى من كتاب ابن عاشور «مقاصد الشريعة الإسلامية»، لا يزال هذا الكتاب وآراء مؤلفه مصدرًا مهمًا في مقاصد الشريعة، وموضوعًا للنقد والتحليل لدى الباحثين. ومن الكتب التي تناولته «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور»، و«الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية». وقد وصف أحمد الريسوني ابن عاشور بـ«المعلم الثاني» في المقاصد،[٢٤] وكان ابن عاشور قد طرح اهتمامه بمقاصد الشريعة في كتابه «أليس الصبح بقريب».[٢٥]
وكما يكتب إسماعيل الحسني، تتبلور نظرية المقاصد عند ابن عاشور في تحقيق الصلاح الفردي والاجتماعي والعمراني، ويكون ذلك بإصلاح العالم من خلال إصلاح الإنسان المهيمن عليه. ويحكم هذا المقصد سائر المقاصد.[٢٦] وقد رأى بعض الباحثين في نظرية ابن عاشور المقاصدية نهايةً لعلم الأصول؛ لأنها تمثل انتقالًا من النظرة التجزيئية والفردية في فهم الأحكام إلى النظرة الاجتماعية والعامة.[٢٧]
تصنيف المقاصد
من تجديدات ابن عاشور، بحسب أحمد الريسوني، أنه فتح مجالًا جديدًا للنظر المقاصدي يقع بين المقاصد الكلية والجزئية.[٢٨] ويكتب الريسوني في مؤلَّف آخر أن مقاصد الشريعة ثلاثة أنواع: مقاصد كلية، ومقاصد جزئية، ومقاصد خاصة.[٢٩] ويعرّف المقاصد الخاصة بأنها المقاصد التي تقع فوق المقاصد الجزئية ودون المقاصد الكلية، وتتعلق بتشريع معين.[٣٠] ويرى ابن عاشور أن معرفة المقاصد ممكنة بثلاثة طرق: الاستقراء، والأدلة القرآنية الواضحة، والسنة المتواترة.[٣١]
ويرى إسماعيل الحسني، الذي حاول دراسة نظرية ابن عاشور دراسة نقدية، أن الطرق التي اعتمدها ابن عاشور لإثبات مقاصد الشريعة لا تُفضي إلا إلى المقاصد الكلية؛ لأنها ترجع إما إلى الاستقراء، ... وإما إلى الأدلة القرآنية الدالة على مقصد كلي.[٣٢] ويرى أيضًا أن طرق إثبات المقاصد عند ابن عاشور لا تنحصر فيما عرضه في قسم صغير من كتاب «المقاصد»، بل إن التأمل في منهجه البحثي يقود الباحث إلى اكتشاف طرق أخرى لإثباتها.[٣٣]
النظر المقاصدي والهدي في الحج
يُعدّ ابن عاشور من الفقهاء الذين أفتوا، منذ سنوات طويلة، بحسن الانتفاع بالهدي في الحج، مستندين إلى علم المقاصد والآيات القرآنية. فعند تفسير الآية 37 من سورة الحج، «لَن يَنَالَ ... لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا»، يؤكد ضرورة مراعاة مقاصد الشارع من تشريع هذا الحكم، وهي سدّ حاجة المحتاجين بهذه الوسيلة مع حفظ الأموال، ويشير إلى عدم رضا الشارع بتعطيل هذا الحكم. ويرى أن بيع الهدي وشراءه، أو تجميد ما يزيد على حاجة الناس في أيام الحج حتى ينتفع به المحتاجون على مدار السنة، أوفق بمقاصد الشرع؛ لأن ذلك يمنع إضاعة اللحوم الزائدة ويحفظ أموال الناس.[٣٤]
ابن عاشور وأسس النظام الاجتماعي للدين
يرى ابن عاشور المجالين الاجتماعي والسياسي من المجالات التي يهتم بها الدين، ولا يقرّ العلمانية، خلافًا لأشخاص مثل علي عبد الرازق. ويعرض أسس النظام الاجتماعي للدين ضمن فنّين: يقوم الأول على مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والاتحاد وحبّ الآخرين، ويقوم الثاني على المساواة والحرية والحق والعدل والتسامح وغيرها.[٣٥]
وانطلاقًا من نظرته الاجتماعية إلى الإسلام والحكم الديني، تناول ابن عاشور في كتابه «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام» الحكام وشروطهم وطرق اختيارهم بالتفصيل. كما اهتم بهذه النظرة في تفسيره؛ فعند تفسير الآية 59 من سورة النساء، عدّ أولي الأمر الأشخاص الذين فوّض الناس إليهم أمر حكمهم.[٣٦] ويستفاد من هذه العبارة أنه يرى طريقة الاختيار في اتجاه ينسجم مع الديمقراطيات الحديثة. غير أنه، عند بيان شروط الحكام، لا يمكن عدّه موافقًا تمامًا للأفكار الحديثة في الحكم؛ إذ يرى أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة من قادة الأمة المسلمين الدينيين، تُستمد صفاتهم من الشريعة.[٣٧]
الحكم الديني والحريات الإنسانية
يتمثل جانب آخر من فكر ابن عاشور السياسي في اهتمامه بنطاق سلطة الحكومات الدينية، وتقييدها باحترام الحريات الإنسانية. ويرى أن أهم وظائف الحكم الديني مراعاة المساواة والحرية، وحفظ حقوق الناس، وإقامة العدل، وتنظيم الشؤون المالية، والدفاع عن البلاد، وغيرها. ويقسّم الحرية في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام إلى حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية السلوك.[٣٨] وعند المقارنة بين أنواع الحريات وتقييمها، يعدّ حرية الاعتقاد أوسعها نطاقًا؛ لاتساع مجالها، ولكون معيارها الأدلة والبراهين العقلية وحدها.[٣٩]
حرية الفكر والعمل
يرى ابن عاشور أن العقل والتفكير يمثلان جوهر الإنسان، ولذلك فإن حرية الفكر والتعبير من الحقوق الثابتة لجميع البشر، والاعتداء عليها ظلم عظيم لهم. ويشرح مفاهيم هذه الحريات وأبعادها، ويبيّن علاقتها بالمجتمع الديني. وفي شأن حرية السلوك، يرى أن تحديد حدودها أمر شديد الصعوبة لغير المعصوم؛ ولذلك يجب على الولاة الاحتياط، وألا يقيّدوا الحريات بما يتجاوز دفع الفساد وجلب المصلحة؛ لأن ذلك ظلم.
ويمضي ابن عاشور في القول بالحريات الإنسانية إلى اعتبار آية «لا إكراه في الدين» ناسخة لآيات القتال؛ لأن الإسلام دين ينبغي اختياره بحرية وإرادة. وتبرز أهمية هذا الرأي في أن الطاعة تمثل الأصل في النظرية السياسية لدى كثير ممن يشاركون ابن عاشور انتماءه الديني، وتُعدّ معارضة السلطة خروجًا على خليفة المسلمين.
موقع النبي (ص) في الحكم
يظهر الإيمان بالحريات الإنسانية بوضوح في منظومة ابن عاشور الفكرية؛ إذ يرى أن النبي (ص) بشر مثلنا، وأن ما يتلقاه في هذا المجال ليس من عنده، بل يُوحى إليه. وبحسب العرض الوارد هنا لفكره، لم يُختَر النبي بوصفه عالمًا يتولى الإجابة عن أسئلة الناس كافة، بل إن معرفته البشرية من جنس معارف غيره، ويوحي الله إليه في مجال التوحيد والتشريع بما يراه مصلحة ليبلّغه إلى الناس. ويصرّح بأن الأمر بطاعة الله ورسوله هو أمر بطاعة الشريعة، وأن أوامر النبي (ص) تُطاع في نطاق الأمور الشرعية، أما عدم طاعته في الأمور الاجتماعية فلا يترتب عليه عصيان.[٤٠]
اختيار الحاكم من قبل الناس
يرى ابن عاشور الحكم الإسلامي حكمًا ديمقراطيًا يقوم على قواعد دينية مستمدة من الأصول القرآنية والسنة النبوية وآراء الفقهاء. ويرى أن الحكم الديني ليس وراثيًا ولا شخصيًا، وأن اختيار الحاكم إنما يكون بآراء جمهور الناس. ولتطبيق هذه النظرية، يتناول كيفية اختيار الحاكم الإسلامي، ويجعلها في نهاية المطاف من مسؤولية الناس. ويقول إن دعوة الله إلى طاعة «أولي الأمر» تدل على أنهم أشخاص مخصوصون في نظر الشريعة، وهم قادة الأمة وأمناؤها، ولا بد أن يكون ثبوت هذه الصفة لهم مستندًا إلى الشرع. وإثبات صفة «أولي الأمر» شرعًا يكون إما بواسطة الخليفة، وإما بواسطة جماعة المسلمين، أي أهل الحل والعقد.[٤١]
اعتبار حكم الرق في الإسلام مؤقتًا
يتجه تحليل ابن عاشور للرق، انطلاقًا من أسسه الفكرية، نحو إلغائه بإزالة أسبابه. ويرى أن ما وقع في صدر الإسلام بشأن الرق لم يكن إلا تدبيرًا مرحليًا يناسب أحوال العرب في عصر النزول. وبحسب رأيه، بذل الإسلام جهده لإزالة جميع أسباب الرق، ولم يُبقِ إلا الأسر في الحرب، لما كان له من آثار إيجابية في المجتمع الإسلامي. ويقيّم هذا السبب أيضًا بوصفه تدبيرًا ردعيًا، ويرى أن الإسلام عوّض عنه بفتح طرق متعددة لتحرير الرقيق.
نقد المؤلفات والآراء ودراستها
حظي ابن عاشور باهتمام الباحثين بسبب مكانته في التفسير والفقه وأصول الفقه والفكر المقاصدي، ونقده الرؤى العلمانية في العلاقة بين الدين والسياسة؛ ولذلك خضعت مؤلفاته وآراؤه للدراسة النقدية. ومن المؤلفات التي تناولت تراثه من منظور نقدي: نقد الفكر المقاصدي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور لمحمد المدنيني، ومجموعة المقالات المعنونة مقاصد الشريعة عند الطاهر بن عاشور، وكتاب فقه الإنسان لعمرو الشاعر، ومنهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير» لنبيل أحمد صقر، ومدخل إلى العقل الأصولي للإمام الطاهر بن عاشور لعبد الفتاح بن اليماني الزويني.
إغفال تاريخية مقاصد الشريعة
يرى كاتب المقال أن النظر المقاصدي عند ابن عاشور يستند إلى المقاصد التي تشكلت ضمن منظومة التراث التاريخي للمسلمين، كما هي الحال عند غيره من العلماء المقاصديين. ومن هذا المنظور النقدي، يغفل هذا الاتجاه تاريخية المقاصد المتشكلة في الفكر الإسلامي، ويبقى السؤال قائمًا: ألا يمكن إعادة قراءة المقاصد وتجديدها مع مرور الزمن؟
ومن الأمثلة على ذلك أن ابن عاشور، في بحث تعدد الزوجات، يستند انطلاقًا من نظرته المقاصدية إلى أصل التوسعة في الشريعة وعدم التشديد على الناس. ويكتب أن الإسلام، لما حرّم الزنا وشدّد في تحريم ما يؤدي إلى فساد الأخلاق والأنساب ونظام الأسرة، فتح من جهة أخرى مجالًا أوسع لمن يحتاجون إلى تعدد الزوجات.[٤٢] غير أن كاتب المقال يرى أن ابن عاشور أغفل النساء بوصفهن الطرف الآخر في هذا الحكم والتكليف. ويمكن، في المقابل، القول بضرورة النظر إلى المقاصد باعتبارها متجاوزة للتمييز بين الجنسين، بل عامة. وبعبارة أخرى، إذا كانت لهذه الآية مقاصد، فينبغي أن تُراعى فيها جبلة الرجال وجبلة النساء معًا؛ ولذلك فإن الاقتصار على أحد جانبي المسألة قد يثير تحديات.
الهوامش
- ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص80.
- ↑ الغالي، محمد الطاهر بن عاشور: حياته وآثاره؛ الحسني، مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور، ص142–150.
- ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص54.
- ↑ صقر، منهج الطاهر بن عاشور في التفسير، ص139.
- ↑ انظر: الزلمي، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، ص51؛ فراج حسين والسريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي، ص401؛ الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص299.
- ↑ عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.
- ↑ شفيعي، «منهجية التفسير في المغرب الإسلامي».
- ↑ فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه؛ عنبوري، مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير.
- ↑ فراج حسين ومحمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، ص400.
- ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص279.
- ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص268.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص270–271.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج21، ص92.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص227.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج22، ص71؛ أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص223؛ مقاصد الشريعة الإسلامية، ص111–112.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج2، ص167.
- ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص93–96.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص53–58.
- ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص47.
- ↑ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص240–241.
- ↑ الفاسي، مقاصد الشريعة ومكارمها، ص1.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص119.
- ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص70.
- ↑ الريسوني، محاضرات في مقاصد الشريعة، ص96.
- ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
- ↑ الميساوي، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، ص46.
- ↑ الريسوني، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، ص69.
- ↑ الريسوني، الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، ص15.
- ↑ الريسوني، محاضرات في مقاصد التشريع، ص97.
- ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص231.
- ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
- ↑ الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص430.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج16–17، ص268.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص122.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص165.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص170.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص171.
- ↑ ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص174.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص166.
- ↑ ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج4، ص226.
المصادر
- ابن عاشور، محمد الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الطبعة الثانية، د.ت.
- ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، بيروت، مؤسسة التاريخ، 1420هـ.
- ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تقديم: محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.
- ابن عاشور، محمد الطاهر، نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، المطبعة السلفية، 1344هـ.
- ابن عاشور، محمد الفاضل، الحركة الأدبية والفكرية في تونس، جامعة الدول العربية، 1955م.
- الحسني، إسماعيل، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ.
- الريسوني، أحمد، محاضرات في مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2014م.
- الريسوني، أحمد، الذريعة إلى مقاصد الشريعة، القاهرة، دار الكلمة، 2016م.
- الزلمي، مصطفى إبراهيم، أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، كردستان العراق، نشر إحسان، 1435هـ.
- الزهراني، خالد بن أحمد، موقف الطاهر بن عاشور من الإمامية الاثني عشرية، مركز المغرب العربي للدراسات والتدريب، 1431هـ.
- شفيعي، علي، «منهجية التفسير في المغرب الإسلامي» [بالفارسية: «روششناسی تفسیر در مغرب اسلامی»]، مجلة «پژوهش و حوزه»، قم، العدد 33، 1387هـ.ش.
- صقر، نبيل أحمد، منهج الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير «التحرير والتنوير»، الدار المصرية، 1422هـ.
- عباس، فضل حسن، دراسات إسلامية وعربية، «الترجيح الفقهي في تفسير الشيخ الإمام ابن عاشور»، الأردن، دار سراج للدعاية والإعلان، 1423هـ.
- عنبوري، حميد، «مدخل لدراسة منهج الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير»، دار الحديث الحسنية، العدد 13، 1417هـ.
- الغالي، بلقاسم، شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور: حياته وآثاره، بيروت، دار ابن حزم، 1417هـ.
- الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مؤسسة علال الفاسي، دار المغرب، 1993م.
- فراج حسين، أحمد، وعبد الودود محمد السريتي، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه، بيروت، دار النهضة العربية، 1992م.
- مهريزي، مهدي، مقاصد الشريعة من منظور ابن عاشور [بالفارسية: «مقاصد شریعت از نگاه ابنعاشور»؛ ترجمة كتاب «نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور» لإسماعيل الحسني]، طهران، صحيفه خرد، 1383هـ.ش.
- الميساوي، محمد الطاهر، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، عمّان، دار النفائس، 1999م.
- الميساوي، محمد الطاهر، جمهرة مقالات ورسائل ابن عاشور، الأردن، دار النفائس، 1436هـ.