انتقل إلى المحتوى

الدية بوصفها جبرًا للضرر

من موسوعة الفقه المعاصر
مراجعة ٢٠:١٦، ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ بواسطة Armodir (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

مؤلف: علي شريفي



  • الملخص

الدية بوصفها جبراناً للخسارة (في مقابل العقوبة وبدل التراضي والرأي التلفيقي) هي أحد التبيينات الأربعة لماهية الدية في الفقه. ويُعدّ تبيين ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة الاتجاه الغالب بين الفقهاء والباحثين المتأخرين؛ ومنهم يوسف الصانعي بالتصريح، وحسين علي المنتظري مع شيء من التأمل، وكذلك أبو القاسم گرجي.

وقد ذُكرت أدلة لإثبات ماهية الدية بوصفها جبراناً للخسارة؛ منها أنّ للدية وظيفة جبرانية، لأنه في القتل الخطأ والقتل شبه العمد، بل وحتى في الجراحة، تقع خسارة بدنية على المصاب، والدية في هذه الموارد لجبران هذه الخسارة. والدليل الآخر أنّ الدية قد وردت في الروايات في مقابل الأرش، والأرش ناظر إلى جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، وبذلك يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.

ومع ذلك فقد وردت انتقادات على الأدلة المتقدمة؛ منها أنّ تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه غير صحيح، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال لا إنسان. وأما بشأن دليل الأرش فقد قيل إنّ الدية أو الأرش قد شُرّعا أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص، وبذلك لم تقع خسارة حتى تُعدّ الدية جبراناً للخسارة.

الأهمية والمكانة

يُعدّ عدّ الدية أداةً لجبران الخسارة أحد الأجوبة التي بيّنها الفقهاء المسلمون في الإجابة عن السؤال عن ماهية الدية. والبحث في ماهية الدية قانوني أكثر منه فقهياً، ولكن مع تحوّل الفقه إلى قانون تُطرح أسئلة بشأن الدية لا يمكن الجواب عنها إلا بمعرفة ماهية الدية وهدفها، وإلا فهو إما غير موجود أو صعب؛ ومنها الخسائر الزائدة على الدية، وتكاليف العجز عن العمل، وعدم تساوي دية المرأة والرجل، وعدم تساوي دية المسلم وغير المسلم، ودعوى تعارض الدية مع موازين حقوق الإنسان، وأمثالها مما يُعدّ اليوم من معضلات الفقه في ميدان الديات، وبتحديد الموقف من ماهية الدية يتاح للفقهاء إمكان إعادة النظر في هذه الأحكام. وفي المقابل، يُعدّ كون الدية عقوبة، والرأي التلفيقي، وعدّها بدل التراضي، نظريات منافسة.

توضيح النظرية

الاتجاه الغالب بين المفكرين المتأخرين هو أنّ الدية ذات ماهية جبرانية للخسارة البدنية. ومن اختار هذا الرأي يمكن الإشارة إلى أبي القاسم گرجي،[١] والسيد محمد حسن مرعشي،[٢] والسيد منصور ميرسعيدي،[٣] ومن بين مفكري أهل السنة إلى عوض أحمد إدريس.[٤] ومن بين مراجع التقليد المعاصرين يميل يوسف الصانعي بالتصريح[٥] وحسين علي المنتظري مع شيء من التأمل[٦] إلى هذا الرأي.

أدلة رأي الخسارة

تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأدلة التي قُدّمت دفاعاً عن هذا الرأي لا تثبت مباشرةً كون الدية خسارة، بل تثبت فقط أنها ليست عقوبة، وهذا الصنف من الأدلة لن يُطرح هنا.

كون الدية ذات وظيفة جبرانية

في موارد وجوب الدية، سواء كان متعلقها القتل (القتل الخطأ، وشبه العمد، والعمد الذي لا قصاص فيه، والعمد الذي لا يمكن فيه تنفيذ القصاص) أو الجراحة، فمن المسلّم أنّ خسارة بدنية قد وقعت على الشخص المصاب؛ وبما أنّ الشريعة الإسلامية لم تقرّر طريقاً آخر غير الدية لجبران هذه الخسارة، يتبيّن أنّ الدية قد شُرّعت لجبران هذه الخسارة؛ لأنّ احتمال أن لا يكون قد شُرّع شيء لهذه الخسائر لا ينسجم مع عدالة الشريعة ولا مع قواعد مثل «قاعدة الطلّ».

وحدة سياق الدية والأرش

في الروايات[٧] وردت الدية في مقابل الأرش، وبما أنّ ماهية الأرش هي جبران الخسارة في الموارد التي لم تُعيَّن فيها دية، فبقرينة المقابلة يجب أن تكون الدية أيضاً لجبران الخسارة.

ولإثبات ماهية الأرش يمكن الاستدلال بتعريف الشيخ الأنصاري وبعض محشّي المكاسب للأرش، إذ عرّفوا الأرش بما يلي: «المال الذي يؤخذ عوضاً عن النقص المضمون في المال أو البدن.»[٨] وليس في هذا التعريف للأرش أي جهة جزائية.

ويرى الشيخ محمد حسين الأصفهاني أنّ هذا التعريف ليس المعنى اللغوي ولا الاصطلاحي للفظ، بل هو معنى «انتزاعي» من مجموع تعابير الفقهاء، ولذلك فإنّ هذا التعريف انعكاس لفهم الفقهاء للأرش. وقد قدّم هو نفسه تعريفاً مشابهاً للأرش، فكتب: «الأرش في الاصطلاح الشرعي والعرفي هو المال الذي يجبر النقص.»[٩]

وكيفية تقدير مقدار الأرش في كلمات الفقهاء تؤيد هذا المعنى أيضاً؛ لأنّ طريقة عدّ الإنسان عبداً، وهي الطريقة الرائجة بين الفقهاء السابقين،[١٠] تتطابق مع تقدير الخسارة، وطريقة بعض المعاصرين السيد أبو القاسم الخوئي،[١١] وهي التعيين بواسطة الحاكم بعد مشاورة خبيرين عادلين، تتناسب أيضاً مع الخسارة؛ لأنّ المهم في كلتا الطريقتين هو تقدير «مقدار النقص».

وفي إثبات وحدة ماهية الدية والأرش يقال أيضاً إنّ الدية عُدّت في اللغة أحد معاني الأرش،[١٢] وأحياناً تُستعمل لفظة الدية بدل لفظة الأرش. وبعبارة أخرى، فإنّ فهم العرف لهذين التعبيرين قريب إلى حد أنهم يستعملون أحدهما في موضع الآخر أحياناً. وهذا يدل على أنّ فهم العرف لماهية الاثنين واحد، أو على الأقل أنهم يرون الهدف من تشريع هاتين الماهيتين واحداً.

وفضلاً عن ذلك، ففي اصطلاح فقهاء أهل السنة تُسمى دية الأعضاء في الأساس أرشاً، سواء كانت مقدّرة أو غير مقدّرة، وهذا أيضاً يدل على فهم موحّد لفقهاء أهل السنة لهذين المفهومين. ويبدو أنّ هذا الاستدلال تام، لكنه لا يثبت إلا على مستوى الموجبة الجزئية أنّ الدية لجبران الخسارة. وبعبارة أخرى، مفاد هذا الدليل والدليل السابق عليه أنّ جبران الخسارة قد لوحظ في الدية «في الجملة».

زيادة الدية بزيادة الخسارة

دية الأعضاء، وإن كانت تشملها بصورة عامة قاعدة «كل ما في الإنسان منه اثنان ففيه الدية...»، إلا أنها تزداد في بعض الموارد بسبب أهمية العضو والخسارة الأكبر الواقعة على المجني عليه؛ فمثلاً قيل في دية الشفة السفلى إنها أكثر من دية الشفة العليا،[١٣] وعُلّل ذلك بكفاءة الشفة السفلى الأكبر.[١٤] وهذا بدوره لأنّ الشريعة تسعى إلى جبران الخسارة (النقص)، ولذلك تزداد الدية بزيادة الخسارة. وفي الأساس، فإنّ دية الأعضاء قد أسّسها الشارع بقصد جبران الخسارة، ويبدو أنّ العرب لم يكونوا يعرفونها قبل الإسلام.

نقد الأدلة على كون الدية جبراناً للخسارة وتقييمها

بحسب ما ذكره الهاشمي الشاهرودي فإنّ هذا الدليل قد أُشكل عليه من جهتين:

  1. أساس هذا الدليل هو تعيين ثمن لنفس الإنسان وأعضائه، في حين أنّ نفس الإنسان لا ثمن لها، لأنّ التثمين يتصور حيث يوجد مال، في حين أنّ نفس الإنسان وأعضاءه لا تُعدّ مالاً.[١٥]
  2. قد تُشرّع الدية أو الأرش أحياناً في موارد لا يوجد فيها في الأساس عيب ولا نقص؛ وبعبارة أخرى، لم تقع خسارة على المجني عليه حتى توضع الدية لجبرانها؛ كموارد التئام كسر العظم دون عيب ولا إشكال،[١٦] وكذلك كسر عظم العمود الفقري الذي إذا التأم دون عيب فديته 100 دينار.[١٧] ويتبيّن أنّ ماهية الدية كلها ليست جبراناً للخسارة، وأنّ جهات أخرى أيضاً مؤثرة فيها.[١٨]

والدليل الثاني والثالث أيضاً، وإن كانا صحيحين في الأصل، إلا أنهما عاجزان عن الإثبات الكامل للنظرية، لأنهما يثبتان على مستوى الموجبة الجزئية فقط أنّ الدية تجبر الخسارة في بعض الموارد، أما كونها وُضعت لمجرد جبران الخسارة فلا يُستفاد من هذه الأدلة.[١٩]

الهوامش

  1. ↑ گرجی، دیات، ص51.
  2. ↑ مرعشی، دیدگاه‌های نو در حقوق، ج2، ص45.
  3. ↑ میرسعیدی، ماهیت حقوقی دیات، ص92.
  4. ↑ احمد ادریس، الدیه، ص348.
  5. ↑ صانعی، منتخب الاحکام، ص334.
  6. ↑ منتظری، مجازات‌های اسلامی و حقوق بشر، ص36-38.
  7. ↑ نگاه کنید به: حر عاملی، وسایل الشیعه، ج29، ص177، باب 14 من أبواب قصاص النفس؛ ص327، باب 24 من أبواب ديات الأعضاء، ح3.
  8. ↑ شیخ انصاری، کتاب المکاسب، ج5، ص391.
  9. ↑ اصفهانی، حاشیة المکاسب، ج5، ص71.
  10. ↑ اردبیلی، مجمع الفائدة والبرهان، ج14، ص137.
  11. ↑ خوئی،‌ مباني تكملة المنهاج، ج42، ص330‌.
  12. ↑ اسماعیل بن عباد، المحيط فی اللغة، ج2، ص261، مادة «أرش».
  13. ↑ فاضل لنکرانی، تفصیل الشریعه، کتاب الدیات، ص140.
  14. ↑ حر عاملی، وسائل الشیعه، أبواب ديات الأعضاء، الباب 5، ح2. ج29، ص295.
  15. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص324.
  16. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیة معاصره، ج2، ص333.
  17. ↑ خمینی، تحریر الوسیله، ج2، ص581.
  18. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص340.
  19. ↑ هاشمی شاهرودی، قراءات فقهیه معاصره، ج2، ص333.

المصادر

  • احمد ادریس، عوض، الدیه (الدية)، ترجمة الدكتور علي رضا فيض، طهران، منظمة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1372ش، الطبعة الأولى.
  • اردبیلی، احمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، قم، مكتب المنشورات الإسلامية التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1403ق، الطبعة الأولى‌.
  • اصفهانی، محمدحسین، حاشية كتاب المكاسب، قم، أنوار الهدى‌، 1418ق، الطبعة الأولى‌.
  • حر عاملی، محمد بن حسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام‌، 1409ق، الطبعة الأولى‌.
  • خمینی(امام)، سید روح‌الله، تحرير الوسيلة، قم، مؤسسة مطبوعات دار العلم‌، دون تاريخ، الطبعة الأولى‌.
  • شیخ انصاری، مرتضی، کتاب المکاسب، قم، المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري،‌ 1415ق، الطبعة الأولى‌.
  • صانعی، یوسف، منتخب الاحکام، قم، ميثم تمار، 1382ش، الطبعة الخامسة.
  • فاضل لنکرانی، محمد، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة: الدیات، قم، مركز فقه الأئمة الأطهار عليهم السلام، 1418ق، الطبعة الأولى‌.
  • گرجی، ابوالقاسم، دیات (الديات)، طهران، مؤسسة منشورات جامعة طهران وطباعتها، ربيع 1380ش، الطبعة الأولى.
  • مرعشى، سيد محمدحسن،‌ دیدگاه‌های نو در حقوق (رؤى جديدة في القانون)، طهران، نشر ميزان‌، 1427ق، الطبعة الثانية‌.
  • منتظری، حسینعلی، مجازات‌هاى اسلامى و حقوق بشر (العقوبات الإسلامية وحقوق الإنسان)، قم، أرغوان دانش‌، 1429ق، الطبعة الأولى.
  • میرسعیدی، سید منصور، ماهیت حقوقی دیات (الماهية القانونية للديات)، طهران، نشر ميزان، خريف 1373ش، الطبعة الأولى.
  • هاشمی شاهرودی، سید محمود، قراءات فقهیة معاصره (مقاله مقدار ما یضمنه الجانی من الخسائر)، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام،‌ 1423ق.